تراجعت إمدادات النفط السعودية بنحو 2.3 مليون برميل يوميًا خلال أغسطس/آب، لتصل إلى 6 ملايين برميل يوميًا، وهو أدنى مستوى تسجله المملكة في أكثر من ثلاثة عقود، وفقًا لبيانات وكالة الطاقة الدولية، التي عزت الانخفاض إلى الهجمات التي استهدفت منشآت الطاقة السعودية واضطرابات حركة الشحن في البحر الأحمر والمنطقة.
وقالت وكالة الطاقة الدولية في تقريرها الشهري عن سوق النفط العالمي إن الإمدادات السعودية تعرضت لضغوط قوية خلال أغسطس/آب، في وقت أدت فيه الهجمات على منشآت النفط ومسارات الملاحة إلى تعطيل جزء من عمليات الإنتاج والتصدير.
ويأتي هذا التراجع في إمدادات النفط السعودية وسط تصاعد المخاطر التي تواجه البنية التحتية للطاقة في المنطقة، مع تعرض منشآت وممرات بحرية مرتبطة بسلسلة إمدادات النفط لهجمات متكررة.
لماذا تراجعت إمدادات النفط السعودية؟
أرجعت وكالة الطاقة الدولية الانخفاض الحاد في إمدادات النفط السعودية إلى سلسلة من الهجمات التي طالت منشآت الطاقة وحركة الشحن.
وذكر التقرير أن جماعات مرتبطة بجماعة الحوثي اليمنية استهدفت سفنًا مارة عبر مضيق باب المندب، إلى جانب استهداف مصفاة جازان السعودية وسفن بالقرب من ينبع على ساحل البحر الأحمر.
وفي الوقت نفسه، استخدمت فصائل عراقية طائرات مسيرة لاستهداف موقع معالجة النفط في بقيق، أحد أهم مراكز معالجة الخام في السعودية.
وتشكل بقيق حلقة رئيسية في صناعة النفط السعودية، بينما يمثل ساحل البحر الأحمر جزءًا مهمًا من منظومة التصدير ومسارات نقل النفط بعيدًا عن مضيق هرمز. لذلك فإن استهداف هذه المنشآت أو طرق الملاحة المحيطة بها يمكن أن ينعكس على الإنتاج والشحنات والمخزونات في آن واحد.
أرقام إمدادات النفط السعودية
كان تقدير وكالة الطاقة الدولية لإمدادات النفط السعودية في أغسطس/آب أقل من الأرقام التي قدمتها المملكة إلى منظمة أوبك.
وأبلغت السعودية أوبك بأنها زودت السوق بنحو 7.122 مليون برميل يوميًا خلال أغسطس/آب، بينما بلغ إنتاجها النفطي، وفق البيانات التي قدمتها المنظمة، نحو 6.238 مليون برميل يوميًا.
ويعكس الفرق بين أرقام الإنتاج والإمدادات اختلافًا في طريقة احتساب التدفقات النفطية، إذ لا تعني الإمدادات بالضرورة الإنتاج المحلي وحده، وإنما يمكن أن تتأثر أيضًا بالمخزونات وحركة التجارة والشحنات التي تدخل السوق.
وفي المقابل، كان تقدير وكالة الطاقة الدولية لإنتاج السعودية قريبًا من الرقم الذي أبلغت به المملكة أوبك، ما يشير إلى أن الجزء الأكبر من الاختلاف بين تقديرات الجهتين يتعلق بحساب الإمدادات وحركة النفط المتاحة للسوق.
توقعات إنتاج النفط السعودي في 2026
لم يقتصر تأثير الاضطرابات على بيانات أغسطس/آب، إذ خفضت وكالة الطاقة الدولية توقعاتها لإمدادات النفط الخام السعودية خلال عام 2026.
وخفضت الوكالة تقديراتها بنحو 885 ألف برميل يوميًا إلى متوسط يبلغ 7.6 مليون برميل يوميًا، مشيرة إلى تأخر تعافي إنتاج النفط في دول الخليج بالشرق الأوسط.
ويعكس هذا الخفض توقع استمرار تأثير الاضطرابات على قدرة المنتجين في المنطقة على استعادة مستويات الإنتاج والإمدادات السابقة بالسرعة التي كانت متوقعة.
وتحظى توقعات إنتاج النفط السعودي بأهمية كبيرة بالنسبة إلى الأسواق العالمية، نظرًا إلى الدور المحوري الذي تؤديه المملكة في سوق الخام وقدرتها على التأثير في توازن العرض والطلب.
شحنات النفط السعودي تتراجع
إلى جانب انخفاض الإمدادات، سجلت شحنات النفط الخام السعودي تراجعًا ملحوظًا خلال أغسطس/آب.
وقالت وكالة الطاقة الدولية إن شحنات الخام السعودي، بما في ذلك الشحنات المنقولة من البحر الأحمر وما وصفته بـ«عمليات النقل البحري غير المعلنة»، انخفضت بنحو 1.1 مليون برميل يوميًا على أساس شهري، لتصل إلى 3.5 مليون برميل يوميًا.
كما تراجعت المخزونات السعودية بنحو 400 ألف برميل يوميًا، ما يعكس حجم الضغوط التي تعرضت لها منظومة النفط في المملكة خلال الشهر.
وتشير هذه الأرقام إلى أن تداعيات الهجمات لم تكن محصورة في الإنتاج، بل امتدت إلى عمليات التصدير والشحن وإدارة المخزونات، وهي عناصر مترابطة في تحديد حجم النفط الذي يصل فعليًا إلى الأسواق.
ماذا يعني انخفاض إمدادات النفط السعودية لسوق النفط؟
يأتي انخفاض إمدادات النفط السعودية في وقت تراقب فيه الأسواق العالمية عن كثب المخاطر الجيوسياسية التي تواجه إمدادات الطاقة في الشرق الأوسط.
وتبرز أهمية السعودية بشكل خاص بسبب حجم إنتاجها وصادراتها النفطية، فضلًا عن امتلاكها بنية تحتية استراتيجية تساعدها على نقل الخام عبر مسارات مختلفة، من بينها خط الأنابيب شرق–غرب الذي يصل مناطق الإنتاج في شرق المملكة بميناء ينبع على البحر الأحمر.
ويسمح هذا المسار للسعودية بتصدير جزء من النفط بعيدًا عن مضيق هرمز، لكنه لا يوفر بديلًا كاملًا عن جميع طرق التصدير البحرية، ما يجعل أمن المنشآت النفطية والممرات البحرية عاملًا حاسمًا في استقرار الإمدادات.
وبالنسبة إلى سوق النفط العالمي، فإن استمرار انخفاض الإمدادات السعودية لفترة أطول قد يزيد الضغوط على المعروض، خصوصًا إذا تزامن مع اضطرابات في إنتاج أو صادرات دول أخرى في المنطقة.
وتبقى الأنظار الآن متجهة إلى مدى سرعة استعادة السعودية لمستويات الإنتاج والشحن، وما إذا كانت الهجمات الأخيرة ستؤدي إلى تأثير مؤقت على الإمدادات أم إلى تغيير أكثر استدامة في توقعات إنتاج النفط السعودي خلال عام 2026.
وفي ظل استمرار المخاطر الجيوسياسية، ستظل إمدادات النفط السعودية وإنتاج أرامكو وشحنات الخام عبر البحر الأحمر من أبرز المؤشرات التي تتابعها أسواق الطاقة، لما لها من تأثير مباشر في توازن سوق النفط وأسعار الخام عالميًا.






