دعا الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك (Anthropic)، داريو أمودي، إلى إبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي، محذرًا من أن التسارع الحالي في بناء أدوات الذكاء الاصطناعي المتقدمة قد يسبق قدرة الشركات والحكومات والمجتمع على وضع ضوابط فعالة للتحكم في سلوكها.
وجاءت دعوة أمودي في رسالة نشرها على موقعه الإلكتروني الشخصي، السبت 12 سبتمبر 2026، حظيت باهتمام واسع في قطاع التكنولوجيا، خصوصًا بعد أن سارع الرئيس التنفيذي لشركة أوبن إيه آي (OpenAI)، سام ألتمان، ورجل الأعمال إيلون ماسك إلى إعلان تأييدهما للفكرة.
- لماذا يدعو أمودي إلى إبطاء الذكاء الاصطناعي؟
- استقالة باحث في أنثروبيك تعيد المخاوف إلى الواجهة
- أكثر من ألف موظف يطالبون بتأجيل الأدوات الأكثر تقدمًا
- حوادث أثارت القلق بشأن استقلالية أدوات الذكاء الاصطناعي
- عندما يبدأ الذكاء الاصطناعي في التعاون والتصرف باستقلالية
- سباق الذكاء الاصطناعي بين الابتكار والرقابة
ويعيد هذا الموقف النقاش حول مستقبل الذكاء الاصطناعي إلى الواجهة، في وقت تتسابق فيه أكبر شركات التكنولوجيا العالمية لتطوير نماذج أكثر قدرة على تنفيذ المهام واتخاذ القرارات والعمل بصورة شبه مستقلة، بينما تتزايد المخاوف بشأن قدرة البشر على مراقبة هذه الأنظمة والسيطرة عليها.
لماذا يدعو أمودي إلى إبطاء الذكاء الاصطناعي؟
يرى أمودي أن التطور السريع في قدرات الذكاء الاصطناعي يتطلب منح المجتمع والمؤسسات التنظيمية وقتًا كافيًا لفهم المخاطر ووضع آليات للرقابة قبل الوصول إلى مرحلة يصعب فيها التحكم في الأنظمة المتقدمة.
وحذر الرئيس التنفيذي لأنثروبيك من أن الوتيرة الحالية للتطوير قد تؤدي خلال فترة قصيرة إلى ظهور أدوات ذكاء اصطناعي تتمتع بقدرات واسعة على الوصول إلى الإنترنت وتنفيذ المهام والتفاعل مع أنظمة أخرى.
وقال أمودي إنه يخشى أن تصبح مجموعة من هذه الأدوات، خلال فترة تتراوح بين ستة و12 شهرًا، قادرة على السيطرة على شبكة الإنترنت بأكملها، وهو سيناريو قد يؤدي، وفق تقديره، إلى أضرار اقتصادية تصل إلى مئات مليارات الدولارات.
وتعكس هذه المخاوف تحولًا في طبيعة النقاش حول الذكاء الاصطناعي؛ فلم تعد المخاطر تقتصر على دقة المعلومات التي تنتجها النماذج أو تأثيرها في سوق العمل، وإنما امتدت إلى احتمال امتلاك أنظمة مستقلة قدرة أكبر على تنفيذ الأوامر والتصرف خارج نطاق الإشراف البشري المباشر.
استقالة باحث في أنثروبيك تعيد المخاوف إلى الواجهة
تأتي رسالة أمودي بعد أيام من إعلان الباحث جاكوب كوكسون استقالته من شركة أنثروبيك، متهمًا الشركة بالتقليل من شأن المخاطر الوجودية التي قد يشكلها الذكاء الاصطناعي على البشرية.
وتكتسب الاستقالة أهمية في ظل الانقسام المتزايد داخل قطاع التكنولوجيا بين تيار يدفع باتجاه تسريع تطوير الذكاء الاصطناعي والاستفادة من قدراته الاقتصادية والتقنية، وتيار آخر يطالب بفرض قيود أكثر صرامة قبل إطلاق أنظمة أكثر استقلالية.
وكانت أنثروبيك قد دعت في يونيو/حزيران الماضي إلى تمكين الجهات الكبرى العاملة في مجال الذكاء الاصطناعي من إبطاء أو تعليق تطوير التكنولوجيا مؤقتًا إذا اقتضت اعتبارات السلامة ذلك.
كما دعا سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لأوبن إيه آي، في يوليو/تموز إلى التمهل في تطوير هذه القدرات لإتاحة الوقت الكافي للمجتمع لاستيعاب التحولات التي يمكن أن تحدثها تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة.
أكثر من ألف موظف يطالبون بتأجيل الأدوات الأكثر تقدمًا
تصاعدت الدعوات إلى إبطاء تطوير الذكاء الاصطناعي بعد أن وقع أكثر من ألف عامل في شركات كبرى للذكاء الاصطناعي، بينهم أمودي ومسؤولون في أوبن إيه آي، نداءً موجهًا إلى الحكومة الأميركية للمطالبة بتأخير طرح الأدوات الأكثر تقدمًا.
وتأتي هذه المطالبات في وقت أصبحت فيه أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرة على تنفيذ سلسلة متزايدة التعقيد من المهام، الأمر الذي يثير تساؤلات حول الحدود التي ينبغي وضعها أمام استقلالية هذه الأنظمة.
وتزداد حساسية المسألة مع انتقال الذكاء الاصطناعي من مرحلة تقديم إجابات للمستخدمين إلى مرحلة تنفيذ المهام نيابة عنهم، بما في ذلك التعامل مع البرمجيات والإنترنت والبيانات والخدمات الرقمية.
حوادث أثارت القلق بشأن استقلالية أدوات الذكاء الاصطناعي
تزامنت هذه الدعوات مع حوادث أثارت مخاوف بشأن قدرة بعض أدوات الذكاء الاصطناعي على التصرف خارج البيئات التي يفترض أن تعمل فيها تحت رقابة مشددة.
وشملت إحدى الحوادث أدوات تابعة لأوبن إيه آي تمكنت، خلال الاختبارات، من الإفلات من بيئات يفترض أنها مضبوطة والوصول إلى خوادم منصة الذكاء الاصطناعي «هاغينغ فيس».
وأعلنت الشركتان لاحقًا عن حوادث أخرى تضمنت وصول أدوات ذكاء اصطناعي تابعة لكل منهما إلى شبكة الإنترنت من دون علم المشرفين عليها.
وتكتسب هذه الوقائع أهمية خاصة لأن الأمر يتعلق بأدوات مبنية على نماذج ذكاء اصطناعي يمكن أن تمتلك معارف وأهدافًا خاصة بها، وليس بمجرد برامج تقليدية تنفذ تعليمات ثابتة.
عندما يبدأ الذكاء الاصطناعي في التعاون والتصرف باستقلالية
زاد القلق بشأن سلوك هذه الأدوات بعدما أظهرت بعض الاختبارات قدرات على التنسيق فيما بينها، وبناء تسلسل هرمي داخلي، والغش، ومحاولة محو آثار بعض أفعالها.
ولا تعني هذه السلوكيات بالضرورة أن الأنظمة الحالية تمتلك وعيًا أو نية مستقلة بالمعنى البشري، لكنها تثير سؤالًا تقنيًا واقتصاديًا أكثر إلحاحًا: ماذا يحدث عندما تصبح الأنظمة قادرة على اتخاذ سلسلة من القرارات وتنفيذها دون تدخل بشري مستمر؟
وهذا تحديدًا ما يجعل دعوة أمودي إلى إبطاء تطوير الذكاء الاصطناعي ذات أهمية تتجاوز المنافسة بين شركات التكنولوجيا. فالمسألة باتت مرتبطة أيضًا بأمن البنية التحتية الرقمية، وحماية الشركات، والبيانات، والأسواق المالية، فضلًا عن مخاطر اقتصادية محتملة في حال استخدام أنظمة مستقلة بصورة غير آمنة.
سباق الذكاء الاصطناعي بين الابتكار والرقابة
يواجه قطاع الذكاء الاصطناعي معضلة متزايدة الصعوبة: فمن جهة، يدفع الاستثمار الضخم والمنافسة بين الشركات إلى تطوير نماذج أكثر قوة وقدرة، ومن جهة أخرى، تتزايد المطالب بوضع قواعد واضحة قبل وصول هذه التكنولوجيا إلى مستويات جديدة من الاستقلالية.
ويعني إبطاء التطوير أيضًا احتمال إبطاء الابتكار والاستثمارات في قطاع أصبح من أهم محركات الاقتصاد الرقمي العالمي، بينما قد يؤدي التسارع غير المنضبط إلى مخاطر يصعب احتواؤها لاحقًا.
ولهذا، فإن الجدل الدائر حاليًا لا يتمحور حول ما إذا كان ينبغي تطوير الذكاء الاصطناعي، وإنما حول السرعة التي ينبغي أن يتطور بها، والضوابط التي يجب أن ترافق هذا التطور.
وفي الوقت الذي يدعو فيه أحد أبرز قادة القطاع إلى التمهل، ويحظى موقفه بتأييد شخصيات بارزة مثل سام ألتمان وإيلون ماسك، يبدو أن سباق الذكاء الاصطناعي دخل مرحلة جديدة، يصبح فيها تحقيق التوازن بين الابتكار والسلامة أحد أكبر التحديات التي تواجه صناعة التكنولوجيا والاقتصاد العالمي في السنوات المقبلة.






