أطلقت شرطة برلين مشروعا جديدا يعتمد على كاميرات مراقبة مدعومة بالذكاء الاصطناعي في المناطق التي تسجل معدلات مرتفعة من الجرائم، في خطوة تعكس التوسع المتسارع في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في قطاع الأمن والمراقبة.
ويعتمد النظام الجديد على تقنية تعرف باسم الذكاء الاصطناعي المكاني، التي تركز على تحليل حركة الأشخاص والأجسام داخل المشهد، بدلا من استخدام تقنية التعرف على الوجوه لتحديد هوية الأشخاص.
كيف يعمل نظام الذكاء الاصطناعي في كاميرات المراقبة؟
تبدأ المرحلة الأولى من المشروع في منطقة كوتبوسر تور في برلين، حيث سيتم تركيب الكاميرات وضبط أنظمة الذكاء الاصطناعي على مدى أربعة أسابيع قبل بدء استخدامها فعليا.
وتقوم التقنية بتحليل المشاهد الملتقطة بواسطة الكاميرات والبحث عن أنماط حركة قد تشير إلى وقوع حادث أو سلوك عنيف.
ومن بين الأمثلة التي ذكرتها الشرطة الألمانية قدرة النظام على اكتشاف سقوط شخص على الأرض أو ركل كرة، إلى جانب رصد مؤشرات يمكن أن ترتبط بحالات العنف أو الأضرار.
ولا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على تسجيل الأحداث، بل يعمل على تحليلها بصورة آلية وإرسال تنبيه عندما يرصد حدثا يستدعي الانتباه.
لا يعتمد النظام على التعرف على الوجوه
من أبرز خصائص نظام المراقبة الجديد في برلين أنه لا يعتمد على التعرف على الوجوه، وإنما يركز على فهم الحركة داخل المكان.
وهذا يعني أن الهدف الأساسي للنظام هو الإجابة عن سؤال: ماذا يحدث في المشهد؟ وليس تحديد هوية الأشخاص الموجودين فيه.
وتقول شرطة برلين إن هذه التقنية يمكن أن تساعد في تقليل الإنذارات الكاذبة من خلال تحليل السياق والحركة بدلا من الاعتماد على اكتشاف حركة واحدة بصورة منفصلة.
كيف تتعامل الشرطة مع التنبيهات؟
تعمل الكاميرات بصورة مستمرة، لكن شاشات المراقبة لدى الشرطة تبقى مطفأة في الظروف العادية، وفقا للشرطة.
وعندما يرصد النظام مؤشرا يستحق الانتباه، يتم تشغيل الشاشة وإرسال التنبيه إلى الشرطي المختص، الذي يتولى تقييم المشهد واتخاذ القرار بشأن الإجراءات اللازمة.
وبذلك يبقى القرار النهائي بيد العنصر البشري، فيما يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على اكتشاف الأحداث المحتملة وتنبيه الشرطة إليها.
توسع مرتقب في استخدام كاميرات الذكاء الاصطناعي
بعد المرحلة التجريبية في كوتبوسر تور، تعتزم شرطة برلين توسيع المشروع ليشمل مناطق أخرى في وسط العاصمة الألمانية، خصوصا المناطق المصنفة على أنها ذات معدلات جريمة مرتفعة.
ويمثل ذلك اتجاها نحو دمج الذكاء الاصطناعي في البنية التحتية الأمنية للمدن، بدلا من الاعتماد الكامل على المراقبة البشرية التقليدية.
وتستطيع أنظمة تحليل الفيديو المدعومة بالذكاء الاصطناعي معالجة عدد كبير من المشاهد في الوقت نفسه، وتحديد الأحداث التي قد تحتاج إلى تدخل بشري، وهو ما يمكن أن يقلل الوقت اللازم لاكتشاف بعض الحوادث.
الخصوصية أكبر تحديات المراقبة بالذكاء الاصطناعي
رغم الفوائد المحتملة لهذه التقنية، أثار المشروع جدلا في ألمانيا بسبب المخاوف المرتبطة بالخصوصية والتوسع في استخدام المراقبة بالذكاء الاصطناعي في الأماكن العامة.
وتؤكد شرطة برلين أن استخدام النظام سيتم وفقا لقواعد حماية البيانات، بينما ترى جماعات معنية بالحقوق المدنية أن توسيع استخدام تقنيات المراقبة قد يؤدي إلى مستويات أكبر من الرقابة الحكومية على الحياة اليومية.
كما تظل دقة الخوارزميات عاملا أساسيا في تقييم فعالية النظام، خصوصا أن الحركة الطبيعية في الأماكن العامة قد تُفسر أحيانا على أنها سلوك غير اعتيادي، ما قد يؤدي إلى إطلاق إنذارات غير دقيقة.
الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل سوق الأمن
اقتصاديا، يعكس مشروع برلين اتجاها أوسع في سوق الأمن الذكي، حيث تنتقل كاميرات المراقبة من مجرد تسجيل الفيديو إلى تحليل المشاهد واكتشاف الأحداث بصورة آلية.
ومن المتوقع أن يؤدي انتشار هذه التقنيات إلى زيادة الطلب على حلول تحليل الفيديو والذكاء الاصطناعي المكاني، خصوصا مع توسع المدن في مشاريع المدن الذكية والأمن الرقمي.
وفي المقابل، ستظل القواعد المنظمة لاستخدام البيانات والخصوصية عاملا رئيسيا في تحديد سرعة انتشار هذه الأنظمة، خصوصا في الأسواق الأوروبية التي تضع حماية البيانات ضمن أولوياتها.
ويضع مشروع برلين نموذجا تجريبيا أمام المدن الأخرى: استخدام الذكاء الاصطناعي لتحديد الأحداث التي تستحق انتباه الشرطة، مع إبقاء القرار النهائي بيد الإنسان.






