تتجه دبي إلى تعزيز دور التكنولوجيا والبنية التحتية في دعم الأمن المائي والغذائي، عبر توسيع الاستثمارات في الحلول المستدامة والتقنيات المتقدمة، في وقت تفرض فيه ندرة المياه وتداعيات التغير المناخي تحديات متزايدة على اقتصادات المنطقة، وتدفع نحو إعادة النظر في كفاءة إدارة الموارد وسلاسل الإمداد.
وتسلط الدورة الثانية عشرة من القمة العالمية للاقتصاد الأخضر، المقرر عقدها يومي 21 و22 أكتوبر الجاري في دبي، الضوء على الفرص الاقتصادية المرتبطة بتطوير منظومات المياه والغذاء، من خلال الابتكار والذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة، بما يعزز مرونة الاقتصادات ويدعم النمو المستدام.
وتأتي القمة في سياق توجه خليجي أوسع نحو توظيف التكنولوجيا والاستثمار في البنية التحتية لمواجهة تحديات الموارد الطبيعية، وتحويلها إلى فرص للنمو وتنويع الأنشطة الاقتصادية وتعزيز القدرة التنافسية.
الأمن المائي والغذائي.. من تحديات الموارد إلى فرص الاستثمار
يمثل الأمن المائي والغذائي أحد الملفات الاستراتيجية لدول الخليج، في ظل محدودية الموارد المائية الطبيعية وارتفاع الاحتياجات المرتبطة بالنمو السكاني والتوسع العمراني والأنشطة الاقتصادية.
وتتطلب مواجهة هذه التحديات تطوير حلول تتجاوز زيادة الإنتاج إلى تحسين كفاءة استخدام المياه والطاقة، وخفض تكاليف التحلية والإنتاج الزراعي، وتعزيز قدرة سلاسل الإمداد على التعامل مع التقلبات المناخية والاضطرابات التجارية.
وفي هذا السياق، تركز القمة العالمية للاقتصاد الأخضر على تقنيات خفض الانبعاثات الكربونية في إنتاج المياه، وتعزيز التكامل بين قطاعي المياه والطاقة، إلى جانب استخدام الزراعة الدقيقة وتطوير أنظمة غذائية أكثر قدرة على التكيف مع التغير المناخي.
وتفتح هذه المجالات فرصاً أمام الاستثمارات في تقنيات التحلية الموفرة للطاقة، وإعادة استخدام المياه، والزراعة الذكية، وإدارة الموارد بالاعتماد على البيانات، فضلاً عن تطوير البنية التحتية اللازمة لتخزين الغذاء ونقله وتوزيعه.
ومن الناحية الاقتصادية، لا تقتصر أهمية هذه الاستثمارات على توفير الموارد الأساسية، بل تمتد إلى خفض الهدر، وتحسين الإنتاجية، وتقليل التعرض لتقلبات الأسعار العالمية، وتعزيز استدامة النشاط الاقتصادي.
الذكاء الاصطناعي يعزز كفاءة إدارة الموارد
تضع القمة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ضمن الأدوات الرئيسية لتطوير حلول قابلة للتوسع في قطاعات المياه والغذاء والطاقة.
ويمكن لتقنيات تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي دعم التنبؤ بالطلب على المياه، وتحسين تشغيل محطات التحلية، ورصد التسربات في شبكات التوزيع، وتطوير أنظمة ري أكثر دقة، إلى جانب تحسين التنبؤ بالإنتاج الزراعي وإدارة المخزون الغذائي.
وتكتسب هذه التطبيقات أهمية خاصة في الاقتصادات التي تواجه قيوداً في الموارد الطبيعية، إذ تتيح رفع كفاءة البنية التحتية القائمة بدلاً من الاعتماد حصراً على إنشاء مشروعات جديدة مرتفعة التكلفة.
لكن الاستفادة الاقتصادية من هذه التقنيات ترتبط بقدرة المؤسسات على تمويل التحول الرقمي، وتوفير البيانات اللازمة، وتطوير الكفاءات البشرية، وضمان أمن الأنظمة الرقمية واستمرارية تشغيلها.
ومن ثم، فإن التحدي لا يتمثل في تبني التكنولوجيا وحدها، بل في تحويلها إلى تحسينات ملموسة في الإنتاجية والتكلفة وكفاءة استخدام الموارد.
دبي تعزز توجهها نحو الاقتصاد الأخضر
تُقام الدورة الثانية عشرة من القمة تحت رعاية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، وتنظمها هيئة كهرباء ومياه دبي والمجلس الأعلى للطاقة في دبي والمنظمة العالمية للاقتصاد الأخضر، تحت شعار «من الإنجاز إلى التوسع: تسليط الضوء على الاقتصاد الأخضر».
وتتناول القمة أربعة محاور رئيسية تشمل تقنيات الطاقة والبنية التحتية، واستراتيجيات الأعمال والتحول المستدام، والأمن المائي والغذائي، والتمويل، إلى جانب موضوعات مشتركة تتعلق بالذكاء الاصطناعي والحوكمة وممكنات الأنظمة الاقتصادية.
ويعكس هذا التنوع ترابط ملفات الاستدامة مع قرارات الاستثمار والسياسات الاقتصادية، إذ تتطلب مشروعات المياه والغذاء والطاقة تمويلاً طويل الأجل، وأطراً تنظيمية واضحة، وتعاوناً بين القطاعين العام والخاص.
وقال سعيد محمد الطاير، نائب رئيس المجلس الأعلى للطاقة في دبي والعضو المنتدب الرئيس التنفيذي لهيئة كهرباء ومياه دبي ورئيس المنظمة العالمية للاقتصاد الأخضر، إن الأمن المائي والغذائي يمثل ركيزة أساسية للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، ما يستدعي تطوير منظومات أكثر استدامة ومرونة لمواجهة الطلب المتزايد وتداعيات التغير المناخي.
وأضاف أن القمة توفر منصة لتعزيز التعاون الدولي وتوجيه الاستثمارات نحو مشروعات ذات أثر اقتصادي وتنموي مستدام، والاستفادة من الابتكار والتقنيات المتقدمة لرفع كفاءة إدارة الموارد وزيادة الإنتاج المحلي وتحسين سلاسل الإمداد.
استراتيجيات الإمارات تفتح المجال لمشروعات طويلة الأجل
ترتبط مناقشات القمة بأهداف استراتيجية الأمن المائي لدولة الإمارات 2036 والاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي 2051، اللتين تضعان استدامة الموارد وتعزيز الجاهزية للمستقبل ضمن الأولويات الوطنية.
وتوفر هذه التوجهات إطاراً لتطوير المشروعات المرتبطة بإمدادات المياه وإعادة استخدامها، ورفع كفاءة استهلاكها، وتعزيز الإنتاج الغذائي المحلي، وتطوير التقنيات الزراعية، وتحسين قدرة سلاسل الإمداد على مواجهة المخاطر.
ومن منظور استثماري، قد تتيح هذه الأولويات فرصاً للشركات العاملة في التكنولوجيا النظيفة، ومعالجة المياه، وإدارة الشبكات، والزراعة الذكية، والخدمات اللوجستية، وحلول التمويل المستدام.
وتعتمد الجدوى الاقتصادية لهذه المشروعات على مجموعة من العوامل، أبرزها تكلفة الإنشاء والتشغيل، وكفاءة التكنولوجيا المستخدمة، وتوافر التمويل، وقدرة المشروعات على تحقيق وفورات مستدامة في الموارد.
كما تبرز أهمية الشراكات بين الحكومات والشركات والمستثمرين لتوزيع المخاطر وتسريع تنفيذ المشروعات، خصوصاً في القطاعات التي تتطلب استثمارات رأسمالية كبيرة وفترات طويلة لاسترداد التكاليف.
مؤتمر الأمم المتحدة للمياه يعزز أهمية التعاون الدولي
تأتي القمة أيضاً ضمن التحركات الدولية الرامية إلى تعزيز التعاون في ملفات المياه والاستدامة، بالتزامن مع الاستعدادات لمؤتمر الأمم المتحدة للمياه 2026، الذي تستضيفه دولة الإمارات بالشراكة مع السنغال.
ويكتسب التعاون الدولي أهمية متزايدة في ظل الطبيعة العابرة للحدود للتحديات المرتبطة بالمياه والغذاء والمناخ، فضلاً عن ارتباط الأمن الغذائي بحركة التجارة العالمية وتوافر الطاقة وكفاءة النقل والتخزين.
كما أن تبادل الخبرات والتقنيات يمكن أن يساعد الدول على تسريع تطبيق الحلول الأكثر كفاءة، في حين يتيح التعاون بين المؤسسات المالية والحكومات والقطاع الخاص توسيع نطاق التمويل الموجه إلى المشروعات المستدامة.
وبالنسبة إلى الاقتصادات الخليجية، فإن تطوير منظومات أكثر مرونة للمياه والغذاء يمثل استثماراً في الاستقرار الاقتصادي طويل الأجل، وليس مجرد استجابة للتحديات البيئية.
الخلاصة: الاستدامة تتحول إلى أولوية اقتصادية
تؤكد أجندة القمة العالمية للاقتصاد الأخضر في دبي أن الأمن المائي والغذائي أصبح جزءاً أساسياً من النقاش الاقتصادي والاستثماري، مع تزايد الحاجة إلى تقنيات تخفض التكاليف وترفع الإنتاجية وتحد من مخاطر نقص الموارد.
وتتمثل الفرصة الاقتصادية في قدرة دول الخليج على تحويل الاستثمارات في التكنولوجيا والبنية التحتية إلى مكاسب قابلة للقياس، تشمل تحسين كفاءة استهلاك المياه والطاقة، وزيادة الإنتاج المحلي، وتقليل الهدر، وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد.
وفي هذا الإطار، سيكون نجاح التحول نحو الاقتصاد الأخضر مرتبطاً بمدى قدرة السياسات الحكومية والتمويل والابتكار على الانتقال من المبادرات والخطط إلى مشروعات قابلة للتوسع وتحقيق عوائد اقتصادية وتنموية مستدامة.






