تستعد مملكة البحرين لاستقبال وفد بريطاني رفيع المستوى يضم أكثر من 20 جهة متخصصة في التكنولوجيا المالية ورأس المال الاستثماري والخدمات المالية، في خطوة تحمل أبعادًا اقتصادية مباشرة تتجاوز المشاركة في فعاليات منتدى مستقبل التكنولوجيا المالية 2026، إلى بحث فرص استثمار وشراكات جديدة بين قطاعي المال والتكنولوجيا في البلدين.
ويستضيف مجلس التنمية الاقتصادية البحريني، بالتعاون مع وزارة الأعمال والابتكار والعلوم والتجارة في المملكة المتحدة، الوفد البريطاني خلال الفترة من 6 إلى 8 أكتوبر، للمشاركة في منتدى مستقبل التكنولوجيا المالية 2026، ولقاء عدد من المؤسسات الحكومية والمالية والشركات العاملة في منظومة الأعمال البحرينية.
رأس المال الاستثماري في صدارة الاهتمام
يحمل الوفد البريطاني أهمية اقتصادية خاصة بالنظر إلى تنوع الجهات المشاركة فيه، والتي تشمل شركات رأس المال الاستثماري، وشركات التكنولوجيا المالية، ومؤسسات داعمة للمنظومة الاقتصادية.
ويعني ذلك أن الزيارة لا تقتصر على تبادل الخبرات، وإنما تفتح المجال أمام تدفقات استثمارية محتملة إلى شركات التكنولوجيا المالية البحرينية والمشروعات الناشئة، إضافة إلى إمكانية تأسيس شركات بريطانية أعمالًا جديدة في المملكة.
وتبرز أهمية رأس المال الاستثماري في هذا السياق باعتباره أحد مصادر تمويل الشركات الناشئة التي تحتاج إلى تمويل للنمو والتوسع، خصوصًا في مجالات المدفوعات الرقمية، والخدمات المصرفية الرقمية، والذكاء الاصطناعي المالي، والأمن السيبراني، وإدارة الأصول والتقنيات التنظيمية.
البحرين كبوابة إلى السوق الخليجية
من منظور اقتصادي، تستفيد البحرين من موقعها كبوابة إلى السوق الخليجية، ومن تطور بنيتها التنظيمية في قطاع الخدمات المالية والتكنولوجيا المالية.
وتسعى المملكة إلى جذب شركات التكنولوجيا المالية العالمية، ليس فقط للعمل في السوق المحلية، وإنما لاستخدام البحرين قاعدة للتوسع في الأسواق الخليجية والإقليمية.
ويعزز هذا التوجه إعلان ثلاث شركات بريطانية، هي أومازي وفاليكسا وأمان المدعومة من شركة ثيميس، إطلاق أعمالها في البحرين خلال منتدى مستقبل التكنولوجيا المالية 2025.
وتشير هذه التجارب إلى أن المنتدى يمكن أن يتحول من منصة لتبادل الأفكار إلى قناة لاستقطاب شركات جديدة واستثمارات مباشرة إلى الاقتصاد البحريني.
الخدمات المالية.. قطاع قابل للنمو
تأتي هذه التحركات في وقت يشهد فيه قطاع الخدمات المالية تحولًا واسعًا بفعل الرقمنة.
فالمنافسة لم تعد مقتصرة على البنوك التقليدية، بل باتت شركات التكنولوجيا المالية تقدم حلولًا في المدفوعات والتمويل وإدارة الأموال والاستثمار والتأمين والخدمات المصرفية الرقمية.
ومن هنا، فإن تعزيز التعاون بين البحرين والمملكة المتحدة يمكن أن يركز على نقل التقنيات والخبرات، وتطوير المنتجات المالية، ورفع كفاءة الخدمات، إضافة إلى إنشاء شركات ومشروعات مشتركة.
كما يمكن أن تستفيد الشركات البحرينية من الخبرات البريطانية في مجالات التمويل والاستثمار ورأس المال الجريء والتكنولوجيا المالية، في حين توفر البحرين للشركات البريطانية بيئة إقليمية مناسبة لاختبار المنتجات والتوسع في أسواق الخليج.
البنية التحتية الذكية تعيد تشكيل القطاع المالي
ويأتي منتدى مستقبل التكنولوجيا المالية 2026 تحت شعار «التمويل في عصر البنية التحتية الذكية»، وهو عنوان يعكس التحول الذي يشهده القطاع المالي.
فالأنظمة المالية الحديثة تعتمد بصورة متزايدة على البيانات والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي والأتمتة، إلى جانب البنية التحتية الرقمية القادرة على تنفيذ عمليات مالية أكثر سرعة وأمانًا.
ومن الناحية الاقتصادية، يمكن لهذه التقنيات أن تخفض تكلفة تقديم الخدمات المالية، وتقلل الوقت اللازم لتنفيذ المعاملات، وتحسن قدرة المؤسسات على إدارة المخاطر واتخاذ القرارات.
فرصة لتوسيع الاستثمار البريطاني
يمثل الوفد البريطاني فرصة للبحرين لتعزيز حضورها لدى المستثمرين المتخصصين في القطاعات التقنية، خصوصًا أن الوفد يضم شركات رأس مال استثماري إلى جانب شركات التكنولوجيا المالية.
وهذا النوع من المستثمرين يختلف عن المستثمر التقليدي؛ إذ يبحث عادة عن شركات ذات قدرة على النمو السريع والتوسع الإقليمي، ما يجعل السوق الخليجية عامل جذب مهمًا للشركات الناشئة التي تتخذ من البحرين مقرًا لها.
كما يمكن أن يؤدي دخول شركات بريطانية جديدة إلى السوق إلى خلق وظائف متخصصة، وزيادة الطلب على الخدمات المهنية والتقنية، ورفع حجم الإنفاق على البحث والتطوير والابتكار.
التكامل بين القطاعين العام والخاص
وتكتسب اللقاءات المرتقبة مع مصرف البحرين المركزي وصندوق العمل «تمكين» وخليج البحرين للتكنولوجيا المالية أهمية اقتصادية، كونها تجمع المستثمرين والشركات مع الجهات التنظيمية والجهات الداعمة للنمو.
هذا التكامل يمكن أن يساعد الشركات الجديدة على فهم البيئة التنظيمية ومتطلبات تأسيس الأعمال، كما يتيح للجهات البحرينية التعرف بصورة مباشرة على احتياجات المستثمرين وشركات التكنولوجيا المالية.
من المنتدى إلى الاستثمار
الأهمية الاقتصادية الحقيقية للزيارة لن تقاس بعدد المشاركين في المنتدى، وإنما بما ينتج عنها من استثمارات وشراكات وشركات جديدة.
وتشير تجربة عام 2025 إلى إمكانية تحول المشاركة البريطانية إلى نتائج تجارية فعلية، بعد إعلان شركات بريطانية عن إطلاق أعمالها في البحرين خلال المنتدى السابق.
وفي حال تكرار هذه التجربة وتوسعها، يمكن أن يتحول المنتدى إلى قناة مستمرة لاستقطاب شركات التكنولوجيا المالية والاستثمارات البريطانية إلى المملكة.
ماذا يعني ذلك للاقتصاد البحريني؟
على المدى القصير، قد تسهم الزيارة في زيادة النشاط التجاري والاستثماري المرتبط بقطاع التكنولوجيا المالية.
أما على المدى المتوسط، فإن القيمة الأكبر تتمثل في إمكانية توطين شركات تقنية جديدة، وجذب رأس المال الاستثماري، وخلق وظائف عالية المهارة، وتطوير منتجات مالية رقمية قابلة للتصدير إلى الأسواق الخليجية.
كما أن دخول شركات دولية إلى السوق يرفع مستوى المنافسة، وهو ما قد يدفع المؤسسات المالية المحلية إلى تسريع استثماراتها في التكنولوجيا وتحسين الخدمات المقدمة للعملاء.
الخلاصة
يمثل الوفد البريطاني إلى البحرين فرصة اقتصادية تتجاوز إطار المشاركة في منتدى متخصص، إذ يجمع بين رأس المال الاستثماري والتكنولوجيا المالية والخدمات المالية في وقت تتسارع فيه عملية التحول الرقمي للقطاع المالي.
وبالنسبة للبحرين، فإن التحدي يتمثل في تحويل اللقاءات والحوارات إلى استثمارات فعلية وشركات جديدة وشراكات طويلة الأجل.
أما بالنسبة للشركات البريطانية، فتقدم البحرين فرصة لبناء قاعدة أعمال في منطقة الخليج والاستفادة من سوق إقليمية واسعة، ما يجعل التكنولوجيا المالية أحد المجالات المرشحة لتعميق التعاون الاقتصادي والاستثماري بين البلدين خلال السنوات المقبلة.






