دعت كريستين لاغارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي، أوروبا إلى تطوير قدراتها الذاتية في مجال الذكاء الاصطناعي، محذرة من أن الاعتماد المتزايد على التقنيات والنماذج المتقدمة التي تطورها شركات أمريكية وصينية قد يضع المؤسسات الأوروبية أمام مخاطر تتعلق بالوصول إلى هذه التقنيات والتحكم فيها.
وتأتي تصريحات لاغارد في وقت يتسارع فيه الاعتماد على الذكاء الاصطناعي داخل القطاع المالي العالمي، بدءًا من تحليل البيانات وإدارة المخاطر وصولًا إلى أتمتة العمليات وتطوير الخدمات المالية، ما يجعل الوصول المستقر إلى النماذج المتقدمة قضية اقتصادية واستراتيجية متزايدة الأهمية.
أوروبا أمام تحدي الاستقلال التكنولوجي
ترى لاغارد أن تطوير أدوات الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدمًا يتركز حاليًا بصورة أساسية في الولايات المتحدة والصين، وهو ما يطرح تساؤلات حول قدرة المؤسسات الأوروبية على التحكم في التقنيات التي قد تصبح جزءًا أساسيًا من عملياتها.
وتتجاوز المسألة، وفق هذا الطرح، المنافسة بين شركات التكنولوجيا، لتصل إلى مستوى يتعلق بالسيادة الاقتصادية وقدرة المؤسسات الأوروبية على ضمان استمرار الوصول إلى الأدوات الرقمية التي تعتمد عليها في أعمالها.
ويشمل ذلك نماذج الذكاء الاصطناعي التي تقدمها شركات أمريكية مثل أوبن أيه آي OpenAI وغوغل Google وأنثروبيك Anthropic، إلى جانب نماذج متقدمة تطورها شركات صينية مثل ديب سيك DeepSeek.
من الاعتماد التجاري إلى المخاطر الاستراتيجية
كان الاعتماد على الشركات الأجنبية في مجال الذكاء الاصطناعي يُنظر في السابق باعتباره مسألة مرتبطة بالسوق والتكلفة والكفاءة، إلا أن التطورات الأخيرة دفعت المؤسسات الأوروبية إلى التعامل معه من زاوية أكثر استراتيجية.
وتشير تصريحات لاغارد إلى أن إمكانية تقييد الوصول إلى بعض التقنيات لم تعد مجرد سيناريو افتراضي، خصوصًا بعد الإجراءات الأمريكية المتعلقة بالصادرات والتي أثرت في قدرة مستخدمين أوروبيين على الوصول إلى بعض الأدوات.
ويعني ذلك أن المؤسسات المالية الأوروبية التي تعتمد على تقنيات خارجية قد تواجه، في بعض الظروف، مخاطر مرتبطة باستمرارية الخدمة أو تغير شروط الوصول أو القيود التنظيمية.
الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل القطاع المالي
يعد القطاع المالي من أكثر القطاعات استفادة من التطور السريع للذكاء الاصطناعي، لكنه في الوقت نفسه من أكثر القطاعات حساسية للمخاطر المرتبطة بهذه التقنيات.
فالنماذج المتقدمة يمكن استخدامها في تحليل الأسواق والبيانات، وتقييم المخاطر، واكتشاف الأنماط غير المعتادة، وتحسين الخدمات المصرفية، وتطوير أدوات أكثر سرعة في اتخاذ القرارات.
لكن الاعتماد المتزايد عليها قد يخلق مخاطر جديدة إذا أصبحت المؤسسات المالية تعتمد على عدد محدود من مزودي التكنولوجيا العالميين.
وهنا تبرز أهمية وجود بدائل محلية أو أوروبية تضمن استمرارية الخدمات الحيوية وتقلل مخاطر الاعتماد على جهة خارجية واحدة.
مخاطر على الاستقرار المالي
حذرت لاغارد كذلك من أن صعود الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى تضخيم حركة الأسواق المالية وزيادة حدة التقلبات.
فالاستخدام واسع النطاق لنماذج الذكاء الاصطناعي في التداول والتحليل واتخاذ القرارات يمكن أن يؤدي إلى استجابات متزامنة من عدد كبير من المؤسسات، خصوصًا عندما تعتمد على مصادر بيانات أو نماذج متشابهة.
وقد يؤدي ذلك، في ظروف معينة، إلى زيادة سرعة تحرك الأسواق وتضخيم موجات الصعود أو الهبوط.
وبالتالي، فإن انتشار الذكاء الاصطناعي لا يمثل فقط فرصة لرفع كفاءة القطاع المالي، بل يفرض أيضًا تحديات جديدة أمام الجهات الرقابية والبنوك المركزية.
الأمن السيبراني في دائرة الخطر
يمثل الأمن السيبراني أحد الملفات التي تزداد أهميتها مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي.
فالتقنيات الجديدة يمكن أن تساعد المؤسسات على اكتشاف الهجمات الرقمية وتحليل البيانات الأمنية بصورة أسرع، لكنها في الوقت نفسه يمكن أن تستخدم لتطوير أساليب أكثر تعقيدًا للهجمات الإلكترونية.
وترى لاغارد أن التطور السريع للذكاء الاصطناعي يمكن أن يزيد من حدة المخاطر السيبرانية، ما يجعل حماية البنية التحتية المالية الرقمية جزءًا أساسيًا من سياسات الاستقرار المالي.
الحاجة إلى تعاون دولي
رغم تركيز لاغارد على ضرورة تطوير أوروبا قدراتها الذاتية في الذكاء الاصطناعي، فإنها أشارت في الوقت نفسه إلى أن المخاطر المرتبطة بالتقنيات المتقدمة تتطلب تعاونًا دوليًا.
وتبرز الحاجة إلى وضع قواعد مشتركة للتعامل مع النماذج الأكثر تقدمًا، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالأمن السيبراني والاستقرار المالي ومنع إساءة استخدام التقنيات المتقدمة.
ويكتسب هذا التعاون أهمية أكبر مع انتشار نماذج الذكاء الاصطناعي عالميًا وعدم اقتصار تطويرها على منطقة جغرافية واحدة.
انعكاسات اقتصادية أوسع
تعكس تصريحات رئيسة البنك المركزي الأوروبي تحول الذكاء الاصطناعي من ملف تكنولوجي إلى قضية اقتصادية واستراتيجية ترتبط بالتنافسية والسيادة والاستقرار المالي.
فالدول التي تمتلك بنية تحتية قوية للذكاء الاصطناعي وقدرات محلية في تطوير النماذج والبيانات والحوسبة ستكون أقل اعتمادًا على مزودي التكنولوجيا الخارجيين، وأكثر قدرة على التحكم في مسار التحول الرقمي لديها.
وفي المقابل، قد تواجه الاقتصادات التي تعتمد بشكل كبير على التقنيات المستوردة مخاطر أكبر في حال تغيرت قواعد التجارة أو التصدير أو الوصول إلى النماذج المتقدمة.
أوروبا بين الاستثمار والتنظيم
تضع هذه التطورات أوروبا أمام معادلة تجمع بين الحاجة إلى تسريع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، وضرورة تطوير أطر تنظيمية تضمن استخدامه بصورة آمنة ومستقرة.
ويعني ذلك أن المنافسة الأوروبية في هذا المجال لن تتعلق فقط بتطوير نماذج ذكاء اصطناعي قادرة على منافسة النماذج الأمريكية والصينية، وإنما ببناء منظومة متكاملة تشمل البنية التحتية الرقمية والبيانات والقدرات الحوسبية والكوادر المتخصصة والأمن السيبراني.
الخلاصة
تكشف تصريحات كريستين لاغارد عن اتساع نطاق النقاش الأوروبي حول الذكاء الاصطناعي، من مجرد أداة لرفع الإنتاجية إلى عنصر مؤثر في السيادة الاقتصادية والاستقرار المالي والأمن السيبراني.
وتواجه أوروبا تحديًا يتمثل في تحقيق التوازن بين الاستفادة من الابتكار العالمي، وتقليل الاعتماد على التقنيات الخارجية في القطاعات الحيوية.
ومع استمرار سباق الذكاء الاصطناعي بين الولايات المتحدة والصين وأوروبا، تبدو قدرة الاقتصادات على امتلاك تقنياتها وبنيتها التحتية الرقمية عاملًا متزايد الأهمية في تحديد قدرتها التنافسية واستقلال قراراتها الاقتصادية خلال السنوات المقبلة.






