تدخل أسواق الطاقة العالمية مرحلة أكثر حساسية مع تراجع هوامش الأمان في الإمدادات وتناقص مخزونات النفط والوقود، في وقت تتواصل فيه الاضطرابات المرتبطة بالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتداعياتها على طرق التجارة والطاقة.
وفي أحدث مؤشر على تصاعد المخاطر، حذر الرئيس التنفيذي لشركة شيفرون، مايك ويرث، من أن منظومة الطاقة العالمية أصبحت أكثر هشاشة مما كانت عليه في المراحل الأولى من الأزمة، مشيراً إلى أن السعر النهائي للنفط في آسيا أصبح أقرب إلى 150 دولاراً للبرميل منه إلى 100 دولار، رغم تداول العقود الآجلة لخام برنت عند مستويات أدنى من ذلك.
وتعكس هذه التصريحات اتساع الفجوة بين السعر المعلن للخام في الأسواق المالية وبين التكلفة الفعلية التي تواجهها بعض الأسواق والمشترين للحصول على إمدادات الطاقة.
النفط ليس المشكلة الوحيدة
تكمن خطورة الوضع الحالي في أن أزمة الطاقة لم تعد مرتبطة بسعر النفط الخام وحده. فخلال الأشهر الماضية، أصبحت الأسواق العالمية تواجه أيضاً شحاً متزايداً في المنتجات النفطية المكررة، وعلى رأسها البنزين والديزل.
وهذا يعني أن ارتفاع أسعار الوقود قد يكون أكبر من الزيادة في سعر النفط الخام الذي يدخل في إنتاجه.
فالنفط الخام يحتاج إلى عمليات تكرير ونقل وتخزين قبل أن يتحول إلى بنزين أو ديزل أو وقود للطائرات، وأي اختناق في طاقة التكرير أو النقل يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع أسعار المنتجات النهائية حتى لو لم يرتفع سعر الخام بالنسبة نفسها.
وبالتالي، فإن المستهلك قد يواجه موجة غلاء في الوقود ناتجة عن نقص المنتج النهائي وليس فقط عن ارتفاع سعر المادة الخام.
لماذا أصبحت السوق أكثر هشاشة؟
تعمل أسواق الطاقة عادة بهوامش أمان تعتمد على وجود مخزونات تجارية واستراتيجية، وقدرة المنتجين والمصافي وشركات النقل على الاستجابة لأي نقص مفاجئ.
لكن الحرب والاضطرابات الجيوسياسية رفعت المخاطر على أكثر من مستوى في الوقت نفسه.
فالمشكلة لا تتعلق فقط بإنتاج النفط، وإنما تشمل:
- أمن الممرات البحرية.
- توافر الناقلات.
- تكاليف التأمين والشحن.
- قدرة المصافي على العمل بكامل طاقتها.
- مستويات المخزونات التجارية والاستراتيجية.
- توفر المنتجات المكررة.
- قدرة الدول على تعويض الإمدادات المفقودة بسرعة.
ومع تزامن هذه العوامل، تصبح السوق أكثر حساسية لأي تعطّل جديد.
من يدفع فاتورة ارتفاع أسعار الوقود؟
يبدأ تأثير الأزمة من شركات النقل والمصانع، لكنه ينتقل سريعاً إلى المستهلك.
ارتفاع سعر البنزين يرفع تكلفة التنقل، بينما يؤدي ارتفاع الديزل إلى زيادة تكلفة نقل البضائع والشحن والخدمات اللوجستية.
وهذه الزيادة لا تتوقف عند محطة الوقود، إذ يمكن أن تنتقل تدريجياً إلى أسعار الغذاء والسلع والخدمات.
فالسلعة التي تصل إلى المتجر تحتاج إلى النقل، والمصنع يحتاج إلى الطاقة، وشركات التوصيل تحتاج إلى الوقود، وبالتالي فإن ارتفاع تكلفة الطاقة يمكن أن يتحول إلى موجة تضخمية أوسع.
ولهذا السبب تراقب الحكومات أسعار الوقود ليس فقط باعتبارها تكلفة على المستهلك، وإنما باعتبارها عاملاً مؤثراً في النشاط الاقتصادي والتضخم.
المخزونات تتحول إلى خط دفاع أخير
في مواجهة شح الإمدادات، وافقت دول مجموعة السبع على سحب نحو 100 مليون برميل من الاحتياطيات الاستراتيجية من النفط الخام والديزل.
ويعكس اللجوء إلى المخزونات الاستراتيجية أهمية هذه الاحتياطيات في مواجهة الصدمات المفاجئة.
لكن استخدام الاحتياطي يحمل مفارقة اقتصادية: فهو يساعد على تهدئة السوق في الأجل القصير، لكنه في الوقت نفسه يقلل كمية المخزون المتاحة لمواجهة أزمة جديدة إذا استمرت الاضطرابات.
وبالتالي، فإن فعالية السحب من الاحتياطي تعتمد بدرجة كبيرة على مدة الأزمة.
إذا كانت الصدمة قصيرة، يمكن أن يكون الاحتياطي أداة فعالة لجسر الفجوة.
أما إذا استمرت اضطرابات الإمدادات لفترة طويلة، فإن الأسواق ستحتاج في النهاية إلى إمدادات فعلية جديدة وليس مجرد سحب من المخزونات.
لماذا يثير حظر تصدير الوقود القلق؟
حذر ويرث من أن تقييد صادرات الطاقة الأمريكية قد يأتي في توقيت تحتاج فيه الأسواق العالمية بشدة إلى الإمدادات.
وتكمن المشكلة في أن سوق النفط عالمية بطبيعتها.
فالبرميل المنتج في دولة لا يبقى بالضرورة داخل حدودها، بل ينتقل عبر شبكة واسعة من التجارة والمصافي والموانئ والأسواق.
لذلك فإن تقليص صادرات دولة كبيرة قد يساعد في زيادة المعروض المحلي مؤقتاً، لكنه قد يؤدي في المقابل إلى تقليص الإمدادات المتاحة للأسواق الأخرى.
وهذا هو جوهر التحذير من أن الولايات المتحدة ليست بمعزل عن الأسواق العالمية.
آسيا في قلب الخطر
تكتسب الإشارة إلى وصول السعر الفعلي للنفط في آسيا إلى مستويات أقرب إلى 150 دولاراً أهمية خاصة.
فالمنطقة تضم بعض أكبر اقتصادات العالم وأكثرها اعتماداً على واردات الطاقة، كما أن جزءاً كبيراً من تجارتها النفطية يمر عبر طرق بحرية استراتيجية.
وبالتالي، فإن ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، إلى جانب المخاطر الجيوسياسية، يمكن أن يضيف علاوة سعرية إلى النفط حتى قبل وصوله إلى المصافي.
وهذا يفسر لماذا قد يختلف السعر الذي يدفعه المستهلك أو المشتري الآسيوي عن السعر الظاهر في العقود الآجلة للنفط.
ماذا يعني ذلك للاقتصاد العالمي؟
إذا استمرت أسعار النفط والوقود عند مستويات مرتفعة، فإن الاقتصاد العالمي سيواجه معادلة صعبة.
من جهة، ترتفع تكلفة الإنتاج والنقل والطاقة، ومن جهة أخرى تتراجع القوة الشرائية للمستهلكين.
وهذا قد يؤدي إلى تباطؤ الطلب في بعض القطاعات، في الوقت الذي ترتفع فيه الضغوط التضخمية.
أي أن العالم قد يواجه مزيجاً من تباطؤ النمو وارتفاع تكاليف الطاقة، وهي بيئة أكثر صعوبة بالنسبة للبنوك المركزية والحكومات.
فخفض الفائدة لدعم الاقتصاد قد يكون أكثر تعقيداً إذا أدى ارتفاع أسعار الطاقة إلى إبقاء التضخم مرتفعاً.
هل نحن أمام موجة نفط جديدة؟
الاقتراب من مستوى 150 دولاراً في بعض أسواق آسيا لا يعني بالضرورة أن خام برنت سيتداول عند هذا المستوى، لكنه يكشف اتساع المخاطر في سوق الطاقة.
والسؤال الأساسي في المرحلة المقبلة سيكون مرتبطاً بمدة الاضطرابات، وقدرة المنتجين على زيادة الإمدادات، وسرعة إعادة بناء المخزونات، ومدى استمرار الاختناقات في سوق المنتجات المكررة.
كلما طال أمد الأزمة، أصبح تعويض المخزونات أكثر صعوبة، وازدادت احتمالات انتقال صدمة الطاقة إلى بقية الاقتصاد.
الخلاصة
التحذير الصادر عن الرئيس التنفيذي لشيفرون لا يتعلق فقط بمستوى سعر النفط، وإنما بصورة أوسع بمرونة منظومة الطاقة العالمية.
فالأسواق تواجه في الوقت نفسه ضغوطاً على الخام والوقود المكرر والمخزونات وطرق الشحن، بينما تتحرك الحكومات لاستخدام الاحتياطيات الاستراتيجية واحتواء آثار ارتفاع الأسعار.
وفي هذه البيئة، يصبح السؤال الأهم ليس فقط: إلى أين يمكن أن يصل سعر النفط؟ بل: كم من الوقت تستطيع الأسواق تحمّل نقص الوقود قبل أن يتحول ارتفاع أسعار الطاقة إلى أزمة أوسع في التضخم والنمو وتكاليف المعيشة؟
وهنا تكمن خطورة المرحلة الحالية؛ فكلما طال أمد اضطرابات الإمدادات، أصبح تأثيرها أبعد من قطاع النفط، وأقرب إلى حياة المستهلك والاقتصاد العالمي بأكمله.






