لا تبدأ عمليات الاحتيال المالي دائمًا برسالة إلكترونية مجهولة أو رابط مشبوه، بل قد تبدأ أحيانًا من دائرة الثقة الأقرب إلى الضحية. وتكشف قضية منظورة أمام المحكمة الكبرى الجنائية في البحرين عن هذا الجانب، بعدما اتُهم رجل يبلغ من العمر 37 عامًا بالاستيلاء على 1500 دينار بحريني من الحساب المصرفي لحماته، مستفيدًا، بحسب التحقيقات، من البيانات المصرفية التي حصل عليها أثناء مساعدتها في فتح حساب بنكي.
وتسلط القضية الضوء على أحد أخطر جوانب الاحتيال المصرفي، وهو تحول المعرفة الشخصية والثقة العائلية إلى وسيلة للوصول إلى معلومات مالية يفترض أن تظل سرية، خصوصًا بيانات البطاقات المصرفية والأرقام السرية ووسائل الدخول إلى الحسابات الإلكترونية.
- المساعدة في فتح الحساب تتحول إلى مدخل للحساب المصرفي
- رسائل السحب تكشف الواقعة
- زميل «حسن النية» يدخل في مسار الأموال
- الثقة العائلية كحلقة ضعيفة في الأمن المالي
- من المسؤول عن حماية البيانات المصرفية؟
- الاتهامات أمام المحكمة
- الاحتيال المصرفي.. خطر يتجاوز خسارة المال
- عندما تصبح الثقة جزءًا من معادلة الأمن المصرفي
المساعدة في فتح الحساب تتحول إلى مدخل للحساب المصرفي
بحسب تفاصيل القضية، تعود الواقعة إلى بلاغ تقدمت به المجني عليها، وهي ربة منزل تبلغ 63 عامًا، بعد اكتشاف عمليات سحب من حسابها المصرفي.
وأفادت المجني عليها بأنها استعانت بالمتهم، وهو زوج ابنتها، لمساعدتها في فتح حساب لدى أحد البنوك. وخلال هذه العملية، تمكن المتهم، وفق ما ورد في القضية، من الحصول على بيانات بطاقتها المصرفية ورقمها السري.
وتشير تفاصيل البلاغ إلى أن المتهم قام بإدخال بيانات المجني عليها عبر التطبيق الإلكتروني للبنك على هاتفه، الأمر الذي مكنه من الوصول إلى حسابها وإجراء عمليات مالية دون الحصول على إذن منها.
وهنا تظهر نقطة جوهرية في مخاطر الاحتيال المصرفي: المعلومة التي تُمنح لشخص بغرض المساعدة قد تتحول إلى أداة للوصول إلى أموال صاحبها إذا لم تبقَ البيانات المصرفية تحت سيطرته المباشرة.
رسائل السحب تكشف الواقعة
لم تكن المجني عليها تعلم بما يجري في حسابها، إلى أن بدأت تتلقى رسائل نصية تفيد بتنفيذ عمليات سحب من أموالها.
وبمجرد اكتشاف العمليات، بادرت إلى إبلاغ الجهات المختصة، لتبدأ إدارة مكافحة الجرائم الاقتصادية تحرياتها بشأن الواقعة.
وتكشف هذه الجزئية أهمية التنبيهات المصرفية في اكتشاف العمليات غير المصرح بها؛ إذ تحولت الرسائل النصية التي تلقتها صاحبة الحساب إلى مؤشر مبكر على وجود نشاط مالي لم تقم به بنفسها.
زميل «حسن النية» يدخل في مسار الأموال
وفق ما توصلت إليه التحريات، لم يحتفظ المتهم بالأموال المحولة من حساب المجني عليها في حسابه مباشرة، بل استعان بزميل له في العمل لمساعدته في استقبال الأموال وسحبها.
وبحسب تفاصيل القضية، كان الزميل حسن النية ولم يكن يعلم، وفق ما ورد في التحقيقات، بمصدر الأموال أو طبيعة المخالفة.
وأشارت التحريات إلى أن المتهم طلب من زميله استخدام حسابه المصرفي لاستقبال المبالغ، بحجة عدم قدرته على استقبال أموال إضافية في حسابه بسبب وصوله إلى الحد الأقصى للرصيد.
وقام الزميل، وفق تفاصيل الواقعة، بتزويده برقم حسابه لاستقبال المبالغ على دفعات، ثم توجه برفقته إلى أجهزة الصراف الآلي لسحب الأموال وتسليمها للمتهم.
وهكذا اتخذت الأموال مسارًا غير مباشر، من حساب المجني عليها إلى حساب شخص آخر ثم إلى السحب النقدي، في محاولة لإخفاء هوية المستفيد الفعلي من الأموال.
الثقة العائلية كحلقة ضعيفة في الأمن المالي
تختلف هذه القضية عن الصورة التقليدية للاحتيال الإلكتروني؛ فلا يظهر فيها مهاجم مجهول يحاول اختراق حساب مصرفي عن بُعد، وإنما تبدأ الواقعة من علاقة شخصية وثقة سابقة.
وهذا النوع من المخاطر يجعل حماية الحساب المصرفي مسألة لا تتعلق بالتقنيات المصرفية وحدها، بل كذلك بطريقة تعامل الأفراد مع بياناتهم المالية.
فالرقم السري للبطاقة، وبيانات الدخول إلى التطبيقات المصرفية، ورموز التحقق، وأرقام الحسابات، ليست مجرد معلومات إجرائية يمكن تداولها مع الآخرين، وإنما تمثل مفاتيح للوصول إلى أموال ومعلومات مالية شخصية.
من المسؤول عن حماية البيانات المصرفية؟
تسلط القضية الضوء على قاعدة أساسية في الأمن المصرفي: صاحب الحساب هو الحلقة الأولى في حماية بياناته المالية.
وقد تبدو مشاركة البيانات مع قريب أو شخص موثوق أمرًا آمنًا، خصوصًا عندما يكون الهدف تقديم مساعدة تقنية أو مصرفية، إلا أن الخطر يبدأ عندما تنتقل البيانات من صاحبها إلى جهاز أو هاتف أو حساب مصرفي يسيطر عليه شخص آخر.
ومن الإجراءات الوقائية الأساسية في مثل هذه الحالات:
- عدم مشاركة الرقم السري للبطاقة المصرفية مع أي شخص، مهما كانت درجة القرابة أو الثقة.
- عدم السماح للآخرين بإدخال بيانات الدخول إلى التطبيقات المصرفية نيابة عن صاحب الحساب متى كان بالإمكان القيام بذلك مباشرة.
- عدم الاحتفاظ بالبيانات المصرفية على أجهزة أشخاص آخرين.
- تفعيل الإشعارات الفورية للعمليات المصرفية.
- مراجعة كشف الحساب بصورة دورية واكتشاف أي عملية غير معروفة في أقرب وقت.
- التواصل مباشرة مع البنك عند الاشتباه في أي عملية غير مصرح بها.
- تغيير كلمات المرور والرموز السرية فور الاشتباه في وصول شخص آخر إليها.
الاتهامات أمام المحكمة
ووجهت النيابة العامة إلى المتهم اتهامات تتعلق باستخدام التوقيع الإلكتروني الخاص بالمجني عليها، والمتمثل في الرقم السري لبطاقتها المصرفية، لغرض احتيالي، والاستيلاء على المبلغ النقدي باستخدام طريقة احتيالية وإدخال بيانات وسيلة تقنية المعلومات والرقم السري.
كما اتهمته بالدخول دون مسوغ قانوني إلى نظام تقنية المعلومات، والمتمثل في الحساب البنكي، لإجراء تحويلات مالية غير مصرح بها.
وخلال جلسة المحاكمة، مثل المتهم عبر الاتصال المرئي، وأقر بما نسب إليه، وفق تفاصيل القضية.
وقررت المحكمة الكبرى الجنائية تأجيل الجلسة المقبلة إلى 4 أكتوبر للمرافعة.
الاحتيال المصرفي.. خطر يتجاوز خسارة المال
وتتجاوز مخاطر مثل هذه الجرائم قيمة المبلغ المستولى عليه. فالضرر قد يشمل انتهاك الخصوصية المالية، وفقدان الثقة، وإمكانية استخدام البيانات المسروقة في عمليات أخرى.
كما أن استخدام حسابات أشخاص آخرين في استقبال الأموال أو سحبها يمكن أن يزيد من تعقيد مسار التحقيقات، ويجعل تتبع الأموال جزءًا أساسيًا من عمل الجهات المختصة بمكافحة الجرائم الاقتصادية.
وفي المقابل، تكشف سرعة اكتشاف الواقعة والإبلاغ عنها أهمية المراقبة المستمرة للحسابات المصرفية، خصوصًا مع انتشار الخدمات المصرفية الرقمية التي تجعل العمليات المالية تتم بصورة فورية ومن دون حاجة إلى زيارة الفرع.
عندما تصبح الثقة جزءًا من معادلة الأمن المصرفي
القضية تضع جانبًا حساسًا من الأمن المالي تحت الضوء: ليس كل خطر مصرفي قادمًا من خارج المنزل أو العائلة.
فقد تبدأ الواقعة من معلومة يمنحها صاحب الحساب لشخص يثق به، ثم تتحول هذه المعلومة إلى وسيلة للوصول إلى الحساب وتنفيذ معاملات لم يأذن بها.
ومن هنا، فإن حماية الأموال في العصر الرقمي لا تعتمد فقط على قوة أنظمة البنوك، وإنما تبدأ كذلك من التعامل مع البيانات المصرفية باعتبارها معلومات شديدة الحساسية، لا ينبغي مشاركتها حتى مع المقربين إلا في إطار قانوني ورسمي واضح.
وتبقى القضية، في الوقت نفسه، منظورة أمام القضاء، فيما تحدد المحكمة المسؤولية والعقوبة على ضوء ما يقدم إليها من أدلة وإجراءات قانونية.






