تتجه سلطنة عُمان إلى إعادة صياغة منظومة التدريب المهني لتكون أكثر ارتباطًا باحتياجات سوق العمل والتحولات الاقتصادية والتكنولوجية، من خلال خطة تطوير تمتد بين عامي 2026 و2030، تتضمن 20 مشروعًا بتمويل يبلغ نحو 20 مليون ريال عُماني.
وتعكس الخطة توجهًا نحو التعامل مع التدريب المهني باعتباره استثمارًا في رأس المال البشري، وليس مجرد مسار لتأهيل الباحثين عن عمل، مع التركيز على تطوير المهارات الفنية والتطبيقية وربط مخرجات الكليات المهنية باحتياجات القطاعات الاقتصادية ومهن المستقبل.
20 مليون ريال لتطوير منظومة التدريب المهني
قالت الدكتورة ميمونة بنت عبدالله الرواحي، المديرة العامة المساعدة للكليات المهنية بوزارة العمل، إن الخطة المحدثة لتطوير منظومة التدريب المهني تتضمن 20 مشروعًا مرتبطة ببرامج التنمية في الخطة الخمسية الحادية عشرة، مع اعتماد 20 مليون ريال عُماني لتنفيذها.
وتأتي الخطة امتدادًا لجهود بدأت منذ عام 2021، عندما شُكل فريق عمل لإعداد خطة متكاملة لتطوير منظومة التدريب المهني والاستعانة ببيت خبرة لتقييم واقع المنظومة وتحديد مجالات التطوير.
وكانت الخطة الشاملة التي أعدت في عام 2022 قد تضمنت 39 مشروعًا بتكلفة تقديرية بلغت نحو 35 مليون ريال عُماني، قبل تحديثها وإعادة مواءمتها مع أولويات الخطة الخمسية الحادية عشرة.
ربط التدريب باحتياجات سوق العمل
تركز الخطة الجديدة على جعل تحديث البرامج والتخصصات عملية مستمرة تستند إلى مؤشرات الطلب على المهارات والمهن، بدلاً من الاكتفاء بالاستجابة للاحتياجات الحالية لسوق العمل.
ويكتسب هذا التوجه أهمية مع سرعة التغير في طبيعة الوظائف نتيجة التحول الرقمي والتقنيات الحديثة، إذ تحتاج المؤسسات التعليمية والتدريبية إلى توقع المهارات التي ستحتاجها القطاعات الاقتصادية خلال السنوات المقبلة.
وتستهدف هذه المقاربة تقليص الفجوة بين ما يتعلمه المتدرب وما يحتاجه صاحب العمل، بما يرفع جاهزية الخريجين للانتقال إلى سوق العمل ويعزز إنتاجية رأس المال البشري.
القطاع الخاص شريك في تحديد المهارات
تضع وزارة العمل القطاع الخاص في موقع الشريك الرئيسي في تطوير التدريب المهني، سواء من خلال تحديد المهارات المطلوبة أو المشاركة في تطوير التدريب العملي.
ويعني ذلك انتقال العلاقة بين مؤسسات التدريب وأصحاب العمل من نموذج يركز على توظيف الخريجين بعد انتهاء التدريب إلى نموذج أكثر تكاملًا يشارك فيه أصحاب العمل في تحديد احتياجات المهارات منذ مرحلة تصميم البرامج.
ومن شأن تعزيز هذا الارتباط أن يساعد على مواءمة مخرجات الكليات المهنية مع احتياجات القطاعات الاقتصادية، خصوصًا القطاعات التي تشهد توسعًا أو تحولات تقنية متسارعة.
الذكاء الاصطناعي والوظائف المستقبلية
تتزامن خطة تطوير التدريب المهني مع تغيرات متسارعة في سوق العمل نتيجة الرقمنة والذكاء الاصطناعي والأتمتة.
وتتطلب هذه التحولات مراجعة محتوى البرامج والمناهج بصورة مستمرة، بحيث لا تقتصر مهارات المتدرب على المعرفة الفنية الحالية، وإنما تشمل القدرة على التعلم المستمر والتكيف مع تغير طبيعة الوظائف.
وتبرز هنا أهمية تطوير المهارات التقنية إلى جانب المهارات التطبيقية، بما يسمح للكفاءات الوطنية بالتعامل مع التقنيات الجديدة والاستفادة منها في قطاعات الإنتاج والخدمات.
71 برنامجًا تدريبيًا خلال النصف الأول من 2026
تظهر النتائج التشغيلية الأخيرة استمرار الاستثمار في تطوير الكوادر والبيئة التدريبية؛ إذ نفذت الكليات المهنية خلال النصف الأول من عام 2026 نحو 71 برنامجًا ودورة تدريبية استفاد منها 1062 شخصًا.
كما وقعت الكليات خمسة برامج للتعاون مع جهات ذات علاقة، واعتمدت ست سياسات مؤسسية، في إطار تطوير الحوكمة وتحسين الممارسات داخل منظومة التدريب المهني.
وتشمل جهود التطوير كذلك رفع كفاءة الكوادر الأكاديمية والإدارية، وتنفيذ برامج تدريبية متخصصة، والاستفادة من برامج الابتعاث والتأهيل، إلى جانب تطوير التجهيزات والبنية الأساسية للكليات.
مساران للتدريب المهني
تقدم الكليات المهنية في سلطنة عُمان مسارات تدريبية تستهدف شرائح مختلفة من سوق العمل.
ويشمل ذلك الدبلوم المهني في عدد من التخصصات للملتحقين من خريجي دبلوم التعليم العام، إضافة إلى برامج الكفاءة المهنية الموجهة للباحثين عن عمل من حملة شهادتي الصفين العاشر والحادي عشر.
وتجمع هذه المسارات بين الجوانب النظرية والتطبيقية، بهدف منح المتدربين مهارات مهنية قابلة للتطوير والارتقاء عبر مراحل تدريبية متدرجة.
التدريب المهني كاستثمار اقتصادي
تضع الخطة العُمانية التدريب المهني ضمن مفهوم أوسع للاستثمار في رأس المال البشري، إذ إن توفير العمالة الوطنية ذات المهارات المناسبة يمكن أن يدعم توسع القطاعات الاقتصادية ويرفع الإنتاجية ويقلل الفجوة بين احتياجات أصحاب العمل ومهارات الباحثين عن وظائف.
كما أن تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص يمكن أن يرفع كفاءة الإنفاق على التدريب من خلال توجيه البرامج نحو المهارات الأكثر طلبًا وربطها بصورة أكبر بالفرص الفعلية في سوق العمل.
التدريب المهني ضمن رؤية عُمان 2040
تأتي خطة تطوير منظومة الكليات المهنية 2026–2030 في سياق مستهدفات رؤية عُمان 2040، التي تضع تنمية رأس المال البشري وتعزيز تنافسية الاقتصاد ضمن محاور التنمية الوطنية.
ويتمثل التحدي خلال المرحلة المقبلة في تحويل الاستثمارات المخصصة للتدريب إلى نتائج قابلة للقياس، تشمل ارتفاع معدلات توظيف الخريجين، وتحسن تطابق المهارات مع الوظائف، وزيادة إنتاجية العاملين، وقدرة الكوادر الوطنية على مواكبة التحولات التقنية.
وبذلك، تتجه سلطنة عُمان إلى بناء منظومة تدريب مهني أكثر مرونة، لا تكتفي بتأهيل الباحثين عن عمل، وإنما تعمل على استشراف احتياجات الاقتصاد وتطوير المهارات قبل ظهور فجوات جديدة في سوق العمل، بما يعزز دور التدريب المهني في دعم النمو وتنافسية الاقتصاد الوطني.






