لم يعد سوق السيارات المستعملة في السعودية مجرد مساحة لبيع وشراء المركبات القديمة، بل تحول إلى سوق اقتصادية ضخمة تمس دخل الأسر والقدرة الشرائية للمواطن والمقيم، وتؤثر في قطاعات التمويل والتأمين والصيانة وقطع الغيار والتجارة.
وتشير تقديرات سوقية إلى أن حجم معاملات السيارات المستعملة في المملكة بلغ نحو 1.6 مليون سيارة خلال عام 2025، في حين كان حجم السوق قد وصل إلى نحو 36 مليار ريال في 2024. وتأتي هذه الأرقام في وقت يشهد فيه السوق خلال العام الحالي حالة من الركود النسبي، وسط تغير واضح في سلوك المستهلك وارتفاع حساسيته تجاه الأسعار والقيمة التي يحصل عليها مقابل ما يدفعه.
- 1.6 مليون سيارة.. سوق ضخم لكن الحركة ليست سهلة
- المشكلة التي تواجه المواطن: لماذا أشتري مستعملًا بالسعر نفسه تقريبًا؟
- التمويل يقلب معادلة السوق
- السيارات الصينية تدخل بقوة وتعيد ترتيب المنافسة
- تويوتا في الصدارة.. والثقة هي العامل الحاسم
- 15.88 مليون مركبة.. قاعدة ضخمة تدعم السوق
- أكثر من مليون سيارة جديدة في 2024
- 1.2 مليون رخصة قيادة جديدة.. الطلب موجود
- المواطن أمام ثلاث معادلات
- هل الأسعار مبالغ فيها؟
- السوق الخليجية.. السعودية ليست سوقًا محلية فقط
- قطع الغيار.. المستفيد غير المرئي من سوق المستعمل
- ماذا يحتاج السوق حتى يعود للنشاط؟
- هل نحن أمام تصحيح سعري؟
- الخلاصة
المفارقة أن حجم السوق لا يزال كبيرًا، وقاعدة المركبات في المملكة تتوسع، وعدد السائقين الجدد يرتفع، لكن المستهلك أصبح أكثر ترددًا في شراء سيارة مستعملة عندما يجد أن سعرها يقترب من سعر سيارة جديدة من علامة أخرى.
وهنا تحديدًا تبدأ القصة الاقتصادية للسوق.
1.6 مليون سيارة.. سوق ضخم لكن الحركة ليست سهلة
يقدر حجم التداول في سوق السيارات المستعملة السعودية بنحو 1.6 مليون مركبة خلال 2025، وهو رقم يكشف ضخامة السوق وعمق الطلب على المركبات المستخدمة.
لكن ارتفاع عدد المعاملات لا يعني بالضرورة أن السوق يعيش أفضل حالاته؛ فالسوق قد يحافظ على حجم تداول مرتفع بينما تتراجع سرعة البيع ويزداد الوقت الذي تبقى فيه السيارة معروضة، خصوصًا عندما تكون توقعات البائع أعلى من استعداد المشتري للدفع.
وهذا ما يفسر حالة الركود النسبي التي يشعر بها المتعاملون في السوق، حيث أصبحت عملية البيع تحتاج إلى مساحة أكبر للتفاوض، فيما أصبح المشتري أكثر بحثًا ومقارنة بين السيارات المستعملة والجديدة.
المشكلة التي تواجه المواطن: لماذا أشتري مستعملًا بالسعر نفسه تقريبًا؟
ربما تكون هذه هي أهم نقطة في المشهد الحالي. المستهلك السعودي الذي يبحث عن سيارة في شريحة سعرية متوسطة يجد نفسه أمام خيارات متعددة: سيارة مستعملة من علامة معروفة بسعر مرتفع، أو سيارة جديدة من علامة أخرى بسعر قريب، مع ضمان المصنع وخيارات تمويل وحوافز بيع.
ومع ارتفاع أسعار بعض السيارات المستعملة، أصبحت معادلة “الجديد أم المستعمل؟” أكثر تعقيدًا.
فإذا كان الفارق بين سيارة مستعملة عمرها عدة سنوات وسيارة جديدة محدودًا، فإن المستهلك قد يميل إلى الجديدة، حتى لو كانت من علامة أقل انتشارًا.
وهذا التحول يضع تجار السيارات المستعملة أمام ضغط حقيقي: إما تخفيض الأسعار، أو تقديم ضمان وفحص وخدمات إضافية، أو انتظار المشتري الذي يرى أن السيارة المعروضة تستحق السعر المطلوب.
التمويل يقلب معادلة السوق
لا يمكن فهم سوق السيارات السعودي من دون النظر إلى التمويل. فالعروض التمويلية للسيارات الجديدة أصبحت عنصرًا مؤثرًا في قرار المستهلك، خصوصًا بالنسبة إلى الأسر التي لا تستطيع دفع قيمة السيارة نقدًا.
وعندما يجد المستهلك عرضًا لسيارة جديدة بقسط شهري يمكن تحمله، يصبح شراء سيارة مستعملة مرتفعة السعر أقل جاذبية.
وهنا لا تتم المقارنة بين سعر السيارة المستعملة وسعر الجديدة فقط، وإنما بين تكلفة امتلاك كل منهما، بما يشمل الدفعة الأولى والقسط الشهري والضمان والصيانة والتأمين والقيمة المتوقعة عند إعادة البيع.
وهذه المعادلة الجديدة تضغط على سوق المستعمل، خصوصًا في السيارات التي فقدت ميزتها السعرية.
السيارات الصينية تدخل بقوة وتعيد ترتيب المنافسة
أحد أهم المتغيرات التي طرأت على سوق السيارات السعودي خلال السنوات الأخيرة هو توسع العلامات الصينية.
وتقدم السيارات الصينية خيارات جديدة في فئات الأسعار المتوسطة والاقتصادية، مع مستويات تجهيز مرتفعة مقارنة بالسعر في بعض الطرازات.
وهذا يخلق ضغطًا مزدوجًا على السيارات المستعملة.
أولًا، يصبح أمام المستهلك خيار شراء سيارة جديدة بمواصفات جيدة بدلًا من شراء سيارة مستعملة من علامة تقليدية بسعر مقارب.
وثانيًا، قد تتأثر القيمة المستقبلية لإعادة البيع لبعض السيارات، خصوصًا إذا أصبحت المنافسة السعرية بين العلامات الجديدة أكثر شدة.
لكن العلامات اليابانية والكورية والأمريكية والألمانية لا تزال تتمتع بقاعدة قوية في سوق المستعمل، مدفوعة بعوامل مثل الثقة، وتوافر قطع الغيار، وانتشار مراكز الصيانة، ووضوح تاريخ السيارة والقيمة المتوقعة عند إعادة بيعها.
تويوتا في الصدارة.. والثقة هي العامل الحاسم
تتصدر تويوتا سوق السيارات في السعودية بحصة سوقية تبلغ نحو 26.6% وفق البيانات المتداولة عن السوق، تليها هيونداي بنحو 14.1%، ثم نيسان بنحو 7.4%.
وتكشف هذه الأرقام عن عامل بالغ الأهمية في سوق السيارات المستعملة: الثقة.
فالمستهلك لا يشتري السيارة المستعملة بناءً على مواصفاتها الحالية فقط، بل يفكر أيضًا في السيارة التي سيبيعها بعد سنوات.
ولهذا تحافظ بعض العلامات على قيمتها بصورة أفضل من غيرها، لأن المشتري يعرف أنها مطلوبة في السوق، وأن قطع غيارها متوفرة، وأن صيانتها أسهل، وأن إعادة بيعها قد تكون أقل صعوبة.
15.88 مليون مركبة.. قاعدة ضخمة تدعم السوق
رغم حالة الركود النسبي، فإن الأساس الذي يقوم عليه سوق السيارات المستعملة في السعودية لا يزال قويًا.
فوفق إحصاءات الهيئة العامة للإحصاء، بلغ عدد المركبات المسجلة والصالحة للسير في المملكة بنهاية عام 2024 نحو 15.88 مليون مركبة، مقابل 14.86 مليون مركبة في 2023، بنمو يقارب 6.9%.
وتشكل المركبات الخاصة نحو 71% من إجمالي المركبات، بما يعادل نحو 11.26 مليون مركبة.
هذه القاعدة الضخمة تعني أن هناك مخزونًا هائلًا من المركبات التي ستدخل سوق إعادة البيع تدريجيًا، سواء بسبب تغيير المالك أو انتهاء التمويل أو شراء سيارة جديدة أو خروج المركبات من أساطيل الشركات والتأجير.
أكثر من مليون سيارة جديدة في 2024
في المقابل، سجلت المملكة أكثر من مليون مركبة كإصدار جديد خلال 2024، بزيادة بلغت نحو 16.8% مقارنة بعام 2023.
وهنا تظهر مفارقة مهمة للسوق.
زيادة السيارات الجديدة تعني أن عددًا أكبر من السيارات سيدخل سوق المستعمل خلال السنوات المقبلة، مع استبدال ملاك السيارات لمركباتهم الحالية.
وبالتالي، فإن نمو سوق السيارات الجديدة لا يعني بالضرورة تراجع سوق المستعمل على المدى الطويل، بل يمكن أن يصبح أحد أهم مصادر المعروض فيه.
لكن المشكلة تكمن في السعر: كلما ارتفع سعر السيارة الجديدة، ارتفعت توقعات ملاك السيارات بشأن سعر سياراتهم المستعملة، وهو ما قد يؤدي إلى فجوة بين السعر الذي يطلبه البائع والسعر الذي يقبله المشتري.
1.2 مليون رخصة قيادة جديدة.. الطلب موجود
أصدرت السعودية لأول مرة أكثر من 1.2 مليون رخصة قيادة خلال 2024، بزيادة 6.6% عن العام السابق، وفق إحصاءات النقل على الطرق.
هذه الأرقام مهمة لسوق السيارات، لأنها تعني دخول شريحة جديدة من السائقين إلى السوق بصورة مستمرة.
لكن ليس كل حامل رخصة قيادة سيشتري سيارة جديدة؛ بل إن شريحة مهمة من المشترين الجدد قد تتجه إلى السيارات المستعملة بسبب انخفاض سعر الدخول إلى سوق المركبات.
ومن هنا، فإن الطلب الأساسي على السيارات المستعملة لا يزال موجودًا، لكن المستهلك أصبح أكثر حساسية تجاه السعر والجودة والتمويل.
المواطن أمام ثلاث معادلات
المستهلك السعودي اليوم لا يقارن بين سيارتين فقط، وإنما بين ثلاث معادلات:
سيارة مستعملة موثوقة بسعر مرتفع، أو سيارة جديدة اقتصادية بسعر مقارب، أو سيارة صينية جديدة بمواصفات مرتفعة وتمويل متاح.
وهذه الخيارات الثلاثة غيرت قواعد اللعبة.
ففي السابق، كان شراء المستعمل خيارًا اقتصاديًا واضحًا، أما اليوم فقد يصبح الفرق بين المستعمل والجديد محدودًا بما يكفي لدفع المستهلك نحو السيارة الجديدة.
وهذا تحديدًا أحد أسباب الضغوط التي يعيشها السوق.
هل الأسعار مبالغ فيها؟
ليس من السهل القول إن أسعار جميع السيارات المستعملة مرتفعة، لأن السعر يتغير بصورة كبيرة حسب الموديل وسنة الصنع والممشى والحالة والحوادث وعدد الملاك ومصدر السيارة.
لكن المشكلة الاقتصادية تظهر عندما لا يعكس سعر السيارة المستعملة مقدار الاستهلاك الفعلي الذي تعرضت له.
فكلما اقترب سعر المستعملة من سيارة جديدة منافسة، يصبح المشتري أكثر تشددًا، ويطالب بفحص شامل وتاريخ واضح وصيانة موثقة وضمان.
وبالتالي، فإن السوق يتجه تدريجيًا من مرحلة كان فيها اسم العلامة التجارية كافيًا لتبرير السعر، إلى مرحلة أصبح فيها السعر مقابل الحالة والمواصفات والتاريخ هو المعيار الأساسي.
السوق الخليجية.. السعودية ليست سوقًا محلية فقط
لطالما مثلت السعودية نقطة جذب للمشترين من دول الخليج في قطاع السيارات المستعملة وقطع الغيار.
ويرجع ذلك إلى ضخامة السوق، وتنوع المعروض، وكثرة الوكلاء والتجار ومراكز الصيانة، إضافة إلى توفر قطع الغيار الأصلية والتجارية.
ويعني ذلك أن أي تغير في أسعار السيارات المستعملة السعودية لا يؤثر فقط في المستهلك المحلي، بل يمكن أن يمتد إلى حركة التجارة الإقليمية.
فالسوق السعودي الكبير يوفر سيولة أعلى للسيارات، ويخلق شبكة واسعة من المشترين والبائعين، ما يجعل المملكة سوقًا مرجعية في المنطقة لبعض الفئات والموديلات.
قطع الغيار.. المستفيد غير المرئي من سوق المستعمل
وراء كل سيارة مستعملة هناك اقتصاد كامل.
فانتقال السيارة من مالك إلى آخر يعني غالبًا فحصًا وصيانة وتغيير إطارات وزيوت وقطع استهلاكية، وقد يتطلب إصلاحات إضافية.
ولهذا فإن سوق السيارات المستعملة يرتبط مباشرة بقطاعات:
- قطع الغيار الأصلية والتجارية.
- ورش الصيانة.
- الفحص الفني.
- التأمين.
- التمويل.
- خدمات النقل والسطحات.
- المنصات الإلكترونية.
- التقييم والتسعير.
- التأجير وإدارة الأساطيل.
وبالتالي، فإن أي ركود في سوق المستعمل يمكن أن ينتقل جزئيًا إلى هذه الأنشطة المرتبطة به.
ماذا يحتاج السوق حتى يعود للنشاط؟
المشكلة الأساسية ليست غياب المشترين، وإنما الفجوة بين توقعات البائع وقدرة المشتري على الدفع.
ولذلك يمكن أن تعود الحركة إلى السوق بصورة أقوى إذا حدث أحد ثلاثة أمور: انخفاض أسعار السيارات المستعملة، أو تحسن شروط التمويل، أو زيادة القيمة التي يحصل عليها المشتري مقابل السعر.
كما أن تعزيز الثقة يمكن أن يكون عاملًا حاسمًا، من خلال توفير تقارير تاريخ المركبة، والفحص المحايد، وشفافية بيانات الحوادث والصيانة، وضمانات واضحة للسيارات المستعملة.
كلما انخفضت حالة عدم اليقين لدى المشتري، أصبح أكثر استعدادًا لإتمام الصفقة.
هل نحن أمام تصحيح سعري؟
قد يكون سوق السيارات المستعملة أمام مرحلة إعادة تسعير تدريجية أكثر من كونه أمام انهيار في الطلب.
فالزيادة الكبيرة في المعروض من السيارات الجديدة، ودخول العلامات الصينية، وتوسع الخيارات التمويلية، وارتفاع وعي المستهلك، كلها عوامل يمكن أن تضغط على الأسعار التي يطلبها البائعون.
وفي المقابل، فإن وجود قاعدة تتجاوز 15.8 مليون مركبة وأكثر من مليون مركبة جديدة سنويًا، إلى جانب أكثر من 1.2 مليون رخصة قيادة جديدة في 2024، يوفر قاعدة طلب ومعروض ضخمة تمنع اختزال السوق في حالة ركود دائم.
الخلاصة
سوق السيارات المستعملة في السعودية يدخل مرحلة مختلفة؛ السوق كبير، والطلب موجود، لكن المستهلك أصبح أكثر صرامة في قراره.
ومع تداول يقدر بنحو 1.6 مليون سيارة في 2025 وحجم سوق بلغ نحو 36 مليار ريال في 2024، فإن المسألة لم تعد مجرد حركة بيع وشراء، بل قطاع اقتصادي واسع يؤثر في الأسر والتجار والبنوك وشركات التأمين وورش الصيانة وقطاع قطع الغيار.
المعادلة التي تحكم السوق اليوم بسيطة: إذا كان سعر المستعمل قريبًا من الجديد، فالمستهلك سيعيد التفكير؛ وإذا كان الفارق كبيرًا بما يكفي، سيعود المستعمل إلى لعب دوره كخيار اقتصادي.
وبين السيارات اليابانية والكورية التي تحافظ على ثقة المستهلك، والسيارات الصينية التي توسع خياراته، والتمويل الذي يغير حساباته، يبدو أن المستفيد الأكبر في المرحلة المقبلة سيكون المستهلك القادر على المقارنة والتفاوض.
أما التجار، فعليهم التعامل مع سوق أكثر شفافية وأقل تسامحًا مع الأسعار المرتفعة؛ لأن عصر شراء السيارة المستعملة لمجرد اسم العلامة التجارية يتراجع، لتحل محله معادلة أكثر وضوحًا: السعر، الحالة، التاريخ، الضمان، وتكلفة الامتلاك.
:::






