دقّت أرامكو السعودية ناقوس الخطر بشأن تداعيات الاضطرابات الجيوسياسية على أسواق الطاقة العالمية، محذرة من أن استمرار التوترات حول مضيق هرمز قد يزيد الضغوط على جانبي العرض والطلب، في وقت تحتاج فيه الأسواق إلى مزيد من التنسيق الدولي للحفاظ على استقرار إمدادات النفط والغاز.
وقال رئيس أرامكو وكبير إدارييها التنفيذيين، أمين بن حسن الناصر، خلال منتدى «إنيرجي إنتليجنس» في لندن، إن إعادة بناء المخزونات التي قد تتأثر جراء اضطرابات الإمدادات يمكن أن تستغرق ما يصل إلى عامين، وذلك إلى حين إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل وعودة الثقة إلى حركة الطاقة عبر المنطقة.
- مضيق هرمز في قلب معادلة الطاقة العالمية
- لماذا قد يستغرق تعويض المخزونات عامين؟
- الشرق الأوسط يبقى محور أمن الطاقة
- أزمة الطاقة تتجاوز النفط والغاز
- مرونة أرامكو أمام الصدمات
- التخزين ومسارات التصدير البديلة
- أكثر من 90% من المواد محلياً
- النفط والغاز لا يزالان في قلب الاقتصاد العالمي
- صدمة هرمز قد تعيد ترتيب أولويات المستثمرين
- انعكاسات محتملة على أسعار النفط
- الحاجة إلى تنسيق دولي أكبر
مضيق هرمز في قلب معادلة الطاقة العالمية
تكمن أهمية مضيق هرمز في كونه أحد أهم الممرات البحرية لتجارة الطاقة العالمية، ما يجعل أي اضطراب في حركة الملاحة عبره قادراً على التأثير سريعاً في أسواق النفط والغاز وأسعار الشحن والتأمين.
وتعني تصريحات الناصر أن الخطر لا يقتصر على توقف الإمدادات لفترة قصيرة، وإنما يمكن أن يمتد إلى مرحلة لاحقة تحتاج فيها الأسواق إلى وقت لإعادة بناء المخزونات وتعويض الكميات التي لم تصل إلى المستهلكين.
وبالتالي، فإن عودة حركة الملاحة إلى طبيعتها لا تعني بالضرورة عودة السوق فوراً إلى مستوياتها السابقة، إذ قد تحتاج سلاسل الإمداد إلى فترة أطول لاستعادة توازنها.
لماذا قد يستغرق تعويض المخزونات عامين؟
المخزونات النفطية تمثل أحد أهم أدوات امتصاص الصدمات في سوق الطاقة.
وعندما تتعرض الإمدادات للاضطراب، تلجأ الأسواق إلى المخزونات لتعويض النقص والحفاظ على استمرارية الاستهلاك. لكن إعادة بناء هذه المخزونات بعد انتهاء الأزمة تتطلب إنتاجاً إضافياً أو تدفقات مستقرة لفترة زمنية طويلة.
ومن هنا، فإن تقدير أرامكو بأن تعويض النقص قد يستغرق نحو عامين يشير إلى أن آثار الأزمة قد تمتد إلى ما بعد انتهاء الاضطرابات المباشرة في حركة الملاحة.
الشرق الأوسط يبقى محور أمن الطاقة
شدد الناصر على الأهمية الاستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط في أسواق الطاقة العالمية، مشيراً إلى أن نحو نصف الاحتياطيات النفطية المؤكدة في العالم موجودة في المنطقة.
ولا تقتصر أهمية الشرق الأوسط على حجم الاحتياطيات، وإنما تشمل أيضاً امتلاك دول المنطقة جانباً مهماً من الطاقة الإنتاجية الاحتياطية التي يمكن استخدامها للمساعدة في تحقيق التوازن بين العرض والطلب.
وهذا يجعل استقرار المنطقة عاملاً مؤثراً في استقرار الاقتصاد العالمي، خصوصاً أن النفط والغاز لا يزالان عنصرين أساسيين في تشغيل قطاعات الصناعة والنقل والكهرباء والبتروكيماويات.
أزمة الطاقة تتجاوز النفط والغاز
يرى الناصر أن تداعيات الاضطرابات الجيوسياسية لا تقتصر على أسواق النفط والغاز، وإنما يمكن أن تمتد إلى مجموعة واسعة من الصناعات.
وأشار إلى تأثر إمدادات مواد أساسية مثل الألومنيوم والكبريت والهيليوم والمنتجات البتروكيماوية، محذراً من أن قطاعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والسيارات الكهربائية ليست بمنأى عن هذه التداعيات.
وهذه النقطة تكشف جانباً مهماً من الاقتصاد العالمي الحديث: تحول الطاقة نفسه يعتمد على سلاسل إمداد عالمية مترابطة.
فصناعة الألواح الشمسية وتوربينات الرياح والسيارات الكهربائية تحتاج إلى مواد ومعادن ومكونات يتم إنتاجها ونقلها عبر دول وممرات تجارية متعددة.
مرونة أرامكو أمام الصدمات
عرض الناصر خلال المنتدى مجموعة من العوامل التي تمنح أرامكو قدرة على مواجهة اضطرابات الإمدادات.
وأوضح أن مرونة الشركة لا تعتمد على عنصر واحد، وإنما على منظومة متعددة المستويات تشمل الطاقة الاحتياطية، وتنوع أنواع النفط الخام، ومرافق تخزين الغاز، وأسطول الناقلات التابع لشركة البحري، إلى جانب القوة المالية للشركة.
وتوفر هذه العناصر لأرامكو قدرة أكبر على التعامل مع التغيرات المفاجئة في حركة الأسواق والإمدادات.
التخزين ومسارات التصدير البديلة
من أبرز أدوات مواجهة اضطرابات الملاحة امتلاك مسارات بديلة لتصدير النفط.
وأشار الناصر إلى أن أرامكو تدرس مسارات إضافية لتصدير النفط الخام، إلى جانب استكشاف خيارات جديدة للتخزين في الخارج.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية كبيرة في ظل المخاطر التي يمكن أن تواجه الممرات البحرية الرئيسية، إذ إن امتلاك أكثر من مسار للتصدير يقلل من الاعتماد على نقطة واحدة ويزيد قدرة المنتج على الاستمرار في تلبية الطلب.
أكثر من 90% من المواد محلياً
تتمتع أرامكو أيضاً بميزة مرتبطة بسلسلة الإمداد المحلية، إذ أوضح الناصر أن أكثر من 90% من المواد المستخدمة في أعمال استعادة الأصول تم توفيرها من السوق المحلية.
وتعني هذه النسبة أن الشركة تمتلك قاعدة توريد محلية يمكن أن تساعدها على تقليل الاعتماد على سلاسل إمداد خارجية في بعض العمليات الحيوية.
وهذا يتماشى مع اتجاه عالمي متزايد نحو تعزيز المحتوى المحلي وتوطين سلاسل الإمداد الاستراتيجية، خصوصاً بعد الصدمات التي شهدها الاقتصاد العالمي خلال السنوات الماضية.
النفط والغاز لا يزالان في قلب الاقتصاد العالمي
تحمل تصريحات أرامكو رسالة واضحة بشأن مستقبل النفط والغاز.
فعلى الرغم من توسع الاستثمارات في الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية والتقنيات منخفضة الانبعاثات، لا تزال قطاعات واسعة من الاقتصاد العالمي تعتمد على النفط والغاز بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وتدخل المنتجات النفطية والغازية في النقل والصناعة والكهرباء والبتروكيماويات والمواد المستخدمة في عدد كبير من المنتجات اليومية.
لذلك، فإن التحول في منظومة الطاقة لا يعني اختفاء الحاجة إلى النفط والغاز على المدى القريب، وإنما يتطلب إدارة أكثر توازناً للانتقال مع ضمان استمرار الإمدادات.
صدمة هرمز قد تعيد ترتيب أولويات المستثمرين
تدفع اضطرابات الممرات البحرية المستثمرين والحكومات إلى إعادة النظر في مفهوم أمن الطاقة.
فلم تعد القدرة الإنتاجية وحدها كافية، بل أصبح من الضروري امتلاك شبكات تخزين ومسارات تصدير متعددة وسلاسل إمداد مرنة وقدرة مالية وتشغيلية على التعامل مع الأزمات.
وهذا قد يدفع مزيداً من الاستثمارات نحو البنية التحتية المرتبطة بالطاقة، بما في ذلك خطوط الأنابيب ومستودعات التخزين والموانئ والأساطيل البحرية.
انعكاسات محتملة على أسعار النفط
كلما طال أمد اضطرابات الإمدادات، ارتفعت احتمالات بقاء علاوة المخاطر الجيوسياسية في أسعار النفط.
لكن حركة الأسعار لا تعتمد على المخاطر الجيوسياسية وحدها، إذ تتأثر أيضاً بمستويات الطلب العالمي والإنتاج والمخزونات والطاقة الاحتياطية والظروف الاقتصادية.
ولهذا، فإن استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز قد يزيد حساسية السوق للأخبار المتعلقة بالإمدادات، حتى إذا ظلت الكميات الإجمالية المتاحة في السوق عند مستويات قريبة من الطلب.
الحاجة إلى تنسيق دولي أكبر
ركز الناصر على ضرورة تعزيز التنسيق بين المجتمع الدولي وموردي النفط والعملاء لمواجهة الصدمات الجيوسياسية.
وتعكس هذه الدعوة تحول أمن الطاقة إلى قضية جماعية تتجاوز الدول المنتجة والمستهلكة منفردة.
فاستقرار سوق النفط يحتاج إلى استمرار تدفق الإمدادات، وتأمين الممرات البحرية، والحفاظ على المخزونات، وتعزيز الاستثمارات في الطاقة والبنية التحتية، إلى جانب وجود آليات للتعامل مع الأزمات المفاجئة.
الخلاصة
تكشف تصريحات رئيس أرامكو عن أن أزمة أمن الطاقة لم تعد مرتبطة فقط بكمية النفط المتاحة، وإنما بقدرة النظام العالمي على نقلها وتخزينها وتوفيرها للمستهلكين في مختلف الظروف.
ويضع مضيق هرمز هذه المعادلة أمام اختبار حقيقي، نظراً لأهميته في تجارة الطاقة العالمية.
وبالنسبة إلى السعودية وأرامكو، فإن تنوع مصادر المرونة، من الطاقة الاحتياطية والتخزين إلى تعدد أنواع الخام ومسارات التصدير وقوة سلاسل الإمداد المحلية، يمثل أداة رئيسية لمواجهة الصدمات.
أما بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي، فإن الرسالة الأوسع تتمثل في أن تنويع طرق الإمداد والاستثمار في البنية التحتية للطاقة وتعزيز التعاون الدولي أصبحت شروطاً أساسية للحفاظ على استقرار الأسواق، حتى مع تسارع التحول العالمي نحو مصادر طاقة جديدة.






