تواجه المالية العامة في السعودية ضغوطاً متزايدة بفعل التداعيات الاقتصادية للحرب بين الولايات المتحدة وإيران، وفق وكالة فيتش للتصنيف الائتماني، التي رأت أن البيان التمهيدي لميزانية المملكة لعام 2027 يعكس توقعات بارتفاع الإنفاق واتساع العجز المالي.
وتأتي هذه التطورات في وقت تواصل فيه السعودية تنفيذ برنامج إنفاق واسع لدعم التحول الاقتصادي وتنفيذ المشاريع التنموية، بينما تضيف التوترات الجيوسياسية المتصاعدة ضغوطاً جديدة على المالية العامة.
عجز السعودية يتجاوز المستهدف
أشارت فيتش إلى أن الحكومة السعودية تتوقع تسجيل عجز مالي يعادل 4.9% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2026.
ويمثل هذا المستوى ارتفاعاً عن الهدف المحدد في ميزانية عام 2026، لكنه يبقى أقل من العجز المسجل في عام 2025، والذي بلغ 5.8% من الناتج المحلي الإجمالي.
وبالتالي، فإن الصورة المالية للمملكة تجمع بين مسارين متزامنين: تحسن نسبي مقارنة بعجز العام السابق، مقابل ضغوط إضافية تدفع العجز إلى مستوى أعلى من المستهدف الأصلي.
كيف تؤثر الحرب على المالية السعودية؟
تؤدي الصراعات الجيوسياسية الكبرى إلى التأثير في الموازنات الحكومية عبر أكثر من قناة.
فارتفاع المخاطر الأمنية والاقتصادية قد يفرض زيادة في بعض النفقات، في حين يمكن أن تتأثر الإيرادات النفطية بتقلبات الأسعار وحركة الطلب العالمي.
وبالنسبة إلى السعودية، تكتسب هذه المعادلة أهمية خاصة بسبب الدور المحوري للنفط في المالية العامة والاقتصاد، رغم الجهود المستمرة لتنويع مصادر الدخل ضمن مسار التحول الاقتصادي.
ارتفاع الإنفاق يضغط على الموازنة
تتوقع الحكومة، بحسب فيتش، ارتفاع الإنفاق، وهو ما يمثل أحد العوامل الرئيسية وراء اتساع العجز المتوقع.
ولا يعني ارتفاع الإنفاق بالضرورة تدهوراً اقتصادياً، إذ يمكن أن يكون جزءاً من سياسة مالية تستهدف الحفاظ على النشاط الاقتصادي وتمويل المشاريع والاستثمارات ذات الأولوية.
لكن ارتفاع النفقات في الوقت نفسه الذي تتعرض فيه الإيرادات لتقلبات محتملة يجعل إدارة المالية العامة أكثر تحدياً.
لماذا يهم مستوى العجز؟
العجز المالي يعني أن النفقات الحكومية تتجاوز الإيرادات خلال سنة مالية معينة، ما يتطلب تمويل الفجوة من خلال الاقتراض أو استخدام مصادر مالية أخرى.
ومع ارتفاع العجز، تصبح إدارة الدين العام وتكلفة التمويل والسيولة عوامل أكثر أهمية بالنسبة إلى السياسة المالية.
ولهذا تراقب وكالات التصنيف الائتماني تطورات العجز والإنفاق والدين والإيرادات النفطية وغير النفطية باعتبارها مؤشرات أساسية على قوة المالية العامة.
السعودية أمام معادلة مزدوجة
تواجه المملكة حالياً معادلة مالية تجمع بين استمرار الإنفاق على المشاريع التنموية من جهة، والحاجة إلى الحفاظ على الاستدامة المالية من جهة أخرى.
فالمملكة تنفذ استثمارات ضخمة ضمن رؤية السعودية 2030، تشمل قطاعات السياحة والتعدين والصناعة والخدمات اللوجستية والتقنية والبنية التحتية.
وفي المقابل، فإن البيئة الجيوسياسية غير المستقرة تفرض على الحكومة الحفاظ على قدر أكبر من المرونة المالية لمواجهة الصدمات المحتملة.
النفط يبقى عاملاً حاسماً
رغم التقدم في تنويع الاقتصاد السعودي، يبقى النفط عاملاً مؤثراً في قدرة الحكومة على تمويل الإنفاق.
وأي تغير كبير في أسعار النفط أو مستويات الإنتاج يمكن أن ينعكس على الإيرادات الحكومية، وبالتالي على حجم العجز والاحتياجات التمويلية.
لكن ارتفاع أسعار النفط لا يعني تلقائياً انخفاض العجز، إذ يعتمد الأثر النهائي على مستويات الإنفاق الحكومي، وحجم الالتزامات الاستثمارية، والسياسة المالية المعتمدة.
ماذا يعني ذلك للمستثمرين؟
من منظور المستثمرين، لا يكمن التحدي في حجم العجز وحده، وإنما في قدرة السعودية على إدارة هذا العجز ضمن إطار مالي مستدام.
فوجود عجز مالي قد يكون مقبولاً إذا كان مرتبطاً باستثمارات ترفع القدرة الإنتاجية للاقتصاد أو إذا كانت الحكومة تمتلك هوامش مالية وقدرة قوية على الوصول إلى أسواق التمويل.
وفي المقابل، فإن استمرار ارتفاع العجز لفترة طويلة قد يزيد أهمية ضبط الإنفاق وتعزيز الإيرادات غير النفطية.
التصنيف الائتماني تحت المراقبة
تكتسب قراءة فيتش أهمية خاصة لأنها تأتي من وكالة تصنيف ائتماني تراقب قدرة الدول على الوفاء بالتزاماتها المالية.
ويعني ذلك أن تطورات الميزانية السعودية، وحجم الاقتراض، واتجاه الدين العام، والإيرادات النفطية، ومسار النمو الاقتصادي ستظل جميعها عوامل مهمة في تقييم الجدارة الائتمانية للمملكة.
لكن ارتفاع العجز المتوقع لا يعني في حد ذاته تدهوراً فورياً في التصنيف، إذ تنظر وكالات التصنيف إلى مجموعة واسعة من المؤشرات الاقتصادية والمالية.
الخلاصة
تكشف قراءة فيتش للبيان التمهيدي لميزانية السعودية لعام 2027 عن مرحلة مالية أكثر تعقيداً، إذ تتزامن خطط الإنفاق والاستثمار مع تداعيات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وما تفرضه من ضغوط إضافية على المالية العامة.
وتتوقع المملكة عجزاً عند 4.9% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، وهو أعلى من المستهدف في الميزانية، لكنه أقل من عجز 2025 البالغ 5.8%.
وبينما تمنح القوة الاقتصادية والقدرة التمويلية السعودية مساحة للتعامل مع الصدمات، فإن التحدي الرئيسي خلال المرحلة المقبلة يتمثل في الحفاظ على التوازن بين تمويل التحول الاقتصادي، والاستجابة للتطورات الجيوسياسية، وضمان استدامة المالية العامة.






