تتسارع استثمارات الشركات العالمية في الذكاء الاصطناعي، مع انتقال المؤسسات من مرحلة التجارب التقنية إلى توظيف الحلول الذكية في العمليات التشغيلية والاستثمارية، وسط تركيز متزايد على تحقيق عوائد مالية قابلة للقياس، ورفع الإنتاجية، وتحسين تجربة العملاء.
وفي هذا السياق، أطلقت مؤسسة مبادرة مستقبل الاستثمار (FII Institute) في المملكة العربية السعودية تقريرًا جديدًا ضمن سلسلة THINK (فكر) بعنوان «تحويل الأعمال: الذكاء الاصطناعي في المؤسسات»، يستعرض تأثير الذكاء الاصطناعي في بيئات الأعمال، ومستقبل الوظائف، وآليات اتخاذ القرار، ودور التقنيات المتقدمة في إعادة تشكيل نماذج التشغيل والاستثمار.
- الإنفاق العالمي على الذكاء الاصطناعي يقترب من 400 مليار دولار
- 88% من المؤسسات تستخدم الذكاء الاصطناعي
- أمن البيانات والثقة أبرز تحديات الذكاء الاصطناعي
- بروكفيلد تحدد أكثر من 800 حالة استخدام للذكاء الاصطناعي
- JD.com توسع استخدام الذكاء الاصطناعي
- فيزا توظف مئات النماذج لدعم منظومة المدفوعات
- وكلاء الذكاء الاصطناعي يعيدون تشكيل مستقبل العمل
- الذكاء الاصطناعي يتحول إلى أداة لخلق القيمة الاقتصادية
ويشير التقرير إلى أن التحدي الرئيسي أمام المؤسسات لم يعد مقتصرًا على تبني الذكاء الاصطناعي، بل يتمثل في توسيع نطاق استخدامه وتحويله إلى قيمة اقتصادية مستدامة، مع ضمان أمن البيانات والامتثال التنظيمي ووجود ضوابط واضحة للاستخدام.
الإنفاق العالمي على الذكاء الاصطناعي يقترب من 400 مليار دولار
تُظهر تقديرات مؤسسة البيانات الدولية (IDC)، التي استند إليها التقرير، أن الإنفاق العالمي على الذكاء الاصطناعي المؤسسي يقترب من 400 مليار دولار خلال عام 2026، في مؤشر على تنامي اعتماد الشركات على الحلول الذكية في تطوير أعمالها.
ويعكس هذا الإنفاق تحول الذكاء الاصطناعي إلى أحد محاور الاستثمار التقني لدى المؤسسات، خصوصًا في مجالات أتمتة العمليات، وتحليل البيانات، وإدارة سلاسل الإمداد، وتطوير الخدمات المالية والتجارية.
لكن ارتفاع الإنفاق لا يعني بالضرورة تحقيق عوائد متناسبة معه؛ إذ يشدد التقرير على ضرورة ربط الاستثمارات بنتائج تشغيلية واضحة، مثل خفض التكاليف، وزيادة الإنتاجية، وتحسين جودة الخدمات، وتعزيز الإيرادات.
وتزداد أهمية هذا التوجه مع سعي الشركات إلى تحديد التطبيقات التي تحقق قيمة فعلية، بدلًا من الاكتفاء بإطلاق مشروعات تجريبية يصعب قياس أثرها أو توسيع نطاقها.
88% من المؤسسات تستخدم الذكاء الاصطناعي
بحسب أبحاث شركة «ماكنزي» الواردة في التقرير، تستخدم 88% من المؤسسات الذكاء الاصطناعي في وظيفة واحدة على الأقل من وظائف الأعمال، مقارنة بـ78% في عام 2024.
وتكشف هذه الأرقام عن توسع واضح في تبني التكنولوجيا، إلا أن الانتقال إلى الاستخدام المؤسسي الواسع لا يزال يواجه تحديات تتعلق بالبنية التحتية، وإعادة تصميم العمليات، وتأهيل الموظفين، والحوكمة.
ويوضح التقرير أن 62% من المؤسسات تجري تجارب على وكلاء الذكاء الاصطناعي، في حين تمكنت 23% فقط من توسيع نطاق استخدام هذه الأنظمة في وظيفة واحدة على الأقل.
وتشير هذه الفجوة إلى أن النجاح في اختبار التقنيات لا يضمن بالضرورة القدرة على دمجها في العمليات اليومية على نطاق واسع، خصوصًا عندما تتطلب التطبيقات تكاملًا بين الأنظمة المختلفة، وتحديدًا دقيقًا للصلاحيات والمسؤوليات.
أمن البيانات والثقة أبرز تحديات الذكاء الاصطناعي
يمثل أمن المعلومات والامتثال التنظيمي أحد أبرز التحديات أمام توسع استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات.
ووفقًا لأبحاث شركة «ديلويت» التي استشهد بها التقرير، حدد 73% من المشاركين خصوصية البيانات وأمنها بوصفهما مصدر القلق الأول، فيما أشار 50% إلى مخاوف تتعلق بالامتثال القانوني والملكية الفكرية والمتطلبات التنظيمية.
وتبرز هذه النتائج أهمية بناء أطر حوكمة واضحة تضمن حماية البيانات، وتحدد المسؤوليات، وتراقب مخرجات الأنظمة الذكية، وتمنع الاستخدام غير المصرح به للمعلومات الحساسة.
وتزداد هذه المتطلبات أهمية مع تطور وكلاء الذكاء الاصطناعي من أدوات تقدم إجابات وتوصيات إلى أنظمة قادرة على تنفيذ مهام وإجراءات فعلية داخل المؤسسات.
بروكفيلد تحدد أكثر من 800 حالة استخدام للذكاء الاصطناعي
على مستوى التطبيقات العملية، كشف التقرير أن شركة «بروكفيلد» حددت أكثر من 800 حالة استخدام للذكاء الاصطناعي في مراحل مختلفة من التنفيذ.
كما أنشأت الشركة مكتبًا متخصصًا لخلق القيمة من الذكاء الاصطناعي، يضم أكثر من 30 متخصصًا في مجالات الاستثمار والعمليات والتكنولوجيا.
ويعكس هذا النموذج توجهًا نحو تنظيم جهود تبني الذكاء الاصطناعي وربطها بأهداف الأعمال، بدلًا من توزيع المبادرات التقنية بمعزل عن الأولويات الاستثمارية والتشغيلية.
ويتيح هذا النهج للمؤسسات تحديد التطبيقات ذات الجدوى الاقتصادية، وترتيب أولويات التنفيذ، ومتابعة أثر الحلول الذكية على الأداء والإنتاجية.
JD.com توسع استخدام الذكاء الاصطناعي
من جانبها، أفادت شركة «JD.com» الصينية بأنها تستخدم الذكاء الاصطناعي في أكثر من 3,000 سيناريو عمل، تشمل تجارة التجزئة، والخدمات اللوجستية، والرعاية الصحية، وسلاسل الإمداد الصناعية، وتوصيل الطعام.
وتوضح هذه التطبيقات اتساع نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي في الأنشطة التي تعتمد على معالجة كميات كبيرة من البيانات وتنسيق العمليات المتعددة.
وفي قطاع الخدمات اللوجستية، يمكن للتقنيات الذكية دعم تخطيط العمليات وتحسين إدارة المخزون وتنسيق عمليات التوصيل، فيما تتيح في قطاع التجزئة فرصًا لتطوير الخدمات وتحسين فهم احتياجات العملاء.
ويبرز هذا النموذج أهمية دمج الذكاء الاصطناعي في صميم العمليات التشغيلية، بما يتجاوز الاستخدامات المحدودة أو المنفصلة عن أنظمة المؤسسة.
فيزا توظف مئات النماذج لدعم منظومة المدفوعات
أكدت شركة «فيزا» أنها تشغّل عدة مئات من نماذج الذكاء الاصطناعي لدعم أكثر من 100 منتج ضمن منظومة المدفوعات.
وسلطت الشركة الضوء على أهمية وضع ضوابط واضحة للإنفاق، وتحديد حدود العمليات وعتبات الموافقة والصلاحيات، مع بدء وكلاء الذكاء الاصطناعي في تنفيذ عمليات شراء مباشرة.
ويعكس هذا التوجه تحولًا مهمًا في العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والتجارة الرقمية، إذ قد تنتقل بعض الأنظمة من مساعدة المستخدم على اتخاذ القرار إلى تنفيذ المعاملات نيابة عنه.
ويجعل هذا التحول من إدارة المخاطر والتحقق من الصلاحيات وحماية المدفوعات عناصر أساسية لضمان موثوقية العمليات، والحفاظ على ثقة العملاء والشركات في الخدمات المالية الرقمية.
وكلاء الذكاء الاصطناعي يعيدون تشكيل مستقبل العمل
يركز تقرير مؤسسة مبادرة مستقبل الاستثمار على الدور المتنامي لوكلاء الذكاء الاصطناعي، الذين تطورت قدراتهم من الإجابة عن الأسئلة إلى تنفيذ مسارات عمل محددة والتفاعل مع أنظمة المؤسسات.
ويتيح هذا التطور فرصًا لأتمتة بعض المهام، وتسريع إنجاز العمليات، وتحسين التنسيق بين التطبيقات والأنظمة المختلفة. لكنه يفرض في الوقت نفسه ضرورة تحديد المسؤوليات، وضمان الإشراف البشري، ووضع ضوابط دقيقة للمهام التي يُسمح للأنظمة بتنفيذها.
كما يشير التقرير إلى أهمية اختيار البنية التحتية المناسبة للذكاء الاصطناعي، نظرًا لتأثيرها في التكاليف التشغيلية، ومستوى التحكم في الأنظمة والبيانات، وقدرة المؤسسات على مواصلة العمل والتعامل مع المخاطر التقنية.
الذكاء الاصطناعي يتحول إلى أداة لخلق القيمة الاقتصادية
تعكس نتائج التقرير تحولًا في أولويات المؤسسات العالمية، من التركيز على تجربة أدوات الذكاء الاصطناعي إلى قياس أثرها الفعلي في الأداء المالي والإنتاجية وتجربة العملاء.
ومع ارتفاع الإنفاق وتوسع التطبيقات، ستعتمد قدرة الشركات على تحقيق عوائد مستدامة على جودة التنفيذ، وتكامل الأنظمة، وكفاءة إدارة البيانات، وتأهيل القوى العاملة، وتطبيق الحوكمة المناسبة.
وفي ظل هذا التحول، لا يمثل الذكاء الاصطناعي مجرد استثمار تقني، بل أصبح عنصرًا مؤثرًا في التنافسية وإعادة تصميم نماذج الأعمال. وستكون المؤسسات الأكثر قدرة على ربط التكنولوجيا بأهدافها التشغيلية والاستثمارية في موقع أفضل للاستفادة من الفرص الاقتصادية التي تتيحها الموجة الجديدة من التحول الرقمي.






