حذّر وزير المالية السعودي محمد الجدعان من التهاون في مواجهة المخاطر التي تهدد الاقتصاد العالمي، رغم ما أظهره من قدرة لافتة على الصمود أمام الصدمات المتلاحقة، مؤكداً ضرورة تعزيز الاستقرار المالي، وإعادة بناء الهوامش الوقائية للموازنات العامة، ومواصلة دعم النمو والاستثمار في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية وارتفاع مستويات الدين العام.
وجاءت تصريحات الجدعان، بصفته رئيس اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التابعة لصندوق النقد الدولي، في ختام الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في بانكوك، وسط انقسامات دولية بشأن الحرب الروسية الأوكرانية، تجسّدت في مغادرة عدد من المندوبين القاعة خلال كلمة وزير المالية الروسي أنطون سيلوانوف.
- الجدعان: لا مجال للتهاون في مواجهة المخاطر الاقتصادية
- الدين العام وأمن الطاقة يفرضان تحديات إضافية
- صندوق النقد الدولي يدعو إلى دعم الدول الأكثر عرضة للصدمات
- انسحاب دبلوماسي خلال كلمة وزير المالية الروسي
- خلافات روسيا وأوكرانيا تختبر التعاون الاقتصادي الدولي
- ماذا تعني تحذيرات الجدعان للاقتصاد الخليجي؟
- الخلاصة: متانة الاقتصاد العالمي تتطلب استعداداً مستمراً
وفي وقت تتزايد فيه التحديات المرتبطة بأمن الطاقة والغذاء، والاختلالات الاقتصادية العالمية، والتطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، شدد الجدعان على أن الحفاظ على متانة الاقتصاد العالمي يتطلب سياسات مالية أكثر مرونة، وتعاوناً دولياً قادراً على احتواء المخاطر ودعم النمو المستدام.
الجدعان: لا مجال للتهاون في مواجهة المخاطر الاقتصادية
أكد وزير المالية السعودي أن الاقتصاد العالمي أظهر «متانة لافتة» في مواجهة تحديات جسيمة ومستمرة، إلا أن هذه القدرة على الصمود لا تلغي الحاجة إلى مواصلة الاستعداد للصدمات المحتملة.
وقال الجدعان، خلال المؤتمر الصحفي الختامي للاجتماعات، إن رسالة أعضاء اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية واضحة، وتتمثل في عدم التهاون أمام المخاطر التي تواجه الاقتصاد العالمي.
وفي تعليقه على انسحاب ما يقرب من نصف المندوبين خلال كلمة وزير المالية الروسي، أوضح الجدعان أن الأهم هو توصل أعضاء اللجنة إلى الموافقة على البيان الصادر عن رئيسها.
وأضاف، في تصريحات لوكالة رويترز، أن الهدف من الاجتماعات تحقق، مشيراً إلى أن موافقة الأعضاء على البيان تمثل العنصر الأساسي في نتائج أعمال اللجنة.
ويعكس موقف الجدعان أهمية استمرار التنسيق بين المؤسسات الاقتصادية الدولية، حتى في ظل الخلافات السياسية التي باتت تؤثر في مسارات التعاون متعدد الأطراف.
الدين العام وأمن الطاقة يفرضان تحديات إضافية
تأتي تحذيرات الجدعان في وقت يواجه فيه الاقتصاد العالمي مجموعة من الضغوط المتداخلة، تشمل تداعيات الحروب، والمخاطر التي تهدد أمن الطاقة والغذاء، وارتفاع مستويات الدين العام، إلى جانب التداعيات المحتملة للتوسع السريع في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وفي هذا السياق، دعا إلى إعادة بناء الهوامش الوقائية المالية، بما يعزز قدرة الحكومات على التعامل مع الأزمات المستقبلية، مع الحفاظ على الدعم الموجه للفئات الأكثر ضعفاً وعدم الإضرار بالاستثمارات المحفزة للنمو.
كما شدد على أهمية استمرار استقلالية البنوك المركزية، وتبني سياسات اقتصادية تدعم الاستثمار الذي يقوده القطاع الخاص.
وتبرز أهمية هذه التوجهات في ظل التحدي الذي تواجهه الحكومات في الموازنة بين احتواء الضغوط المالية والحفاظ على الإنفاق الضروري للنمو، خصوصاً في الاقتصادات التي تتعرض لارتفاع تكاليف التمويل أو اضطرابات التجارة وأسواق السلع الأساسية.
صندوق النقد الدولي يدعو إلى دعم الدول الأكثر عرضة للصدمات
دعا أعضاء اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية إلى زيادة الدعم المقدم للدول التي تواجه احتياجات تمويلية قصيرة الأجل نتيجة تداعيات الحروب وارتفاع أسعار الطاقة.
كما أكدوا ضرورة تعزيز التعاون الدولي لمعالجة الاختلالات الاقتصادية العالمية والتوترات التجارية، في ظل تزايد التحديات التي تواجه استقرار النظام الاقتصادي الدولي.
وتكتسب هذه الدعوات أهمية خاصة بالنسبة إلى الدول منخفضة الدخل، التي غالباً ما تكون قدرتها على امتصاص الصدمات المالية وارتفاع تكاليف الاستيراد محدودة مقارنة بالاقتصادات الأكبر.
من جانبها، وصفت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا جورجيفا الاجتماعات بأنها مثمرة، لكنها أقرت بوجود قلق متزايد بين الدول الأعضاء بشأن اتساع الخلافات وتراجع التقارب في المواقف.
وحذرت جورجيفا من مخاوف الدول منخفضة الدخل التي لا تشارك في سلاسل القيمة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، خشية اتساع الفجوة التكنولوجية والاقتصادية بينها وبين الدول الأكثر تقدماً.
ورغم التباينات الجيوسياسية، أكدت أن الاجتماعات أظهرت استمرار الرغبة في الحوار والتعاون متعدد الأطراف، حتى في بيئة دولية تتسم بتكرار الصدمات وتزايد الانقسامات.
انسحاب دبلوماسي خلال كلمة وزير المالية الروسي
على الصعيد السياسي، شهدت اجتماعات اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية تحركاً دبلوماسياً لافتاً، بعدما غادر عدد من المندوبين القاعة خلال كلمة وزير المالية الروسي أنطون سيلوانوف، التي ألقاها باللغة الروسية.
وقال رئيس البنك المركزي الألماني يواخيم ناجل إن نحو 50% من المندوبين شاركوا في الانسحاب، معتبراً الخطوة رسالة واضحة إلى موسكو بشأن الحرب على أوكرانيا.
كما أكد بنك إنجلترا مشاركة محافظه أندرو بيلي في الانسحاب، فيما أفادت مصادر حضرت الاجتماع بأن رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد بقيت في القاعة.
وضمت قائمة الدول التي غادر مندوبوها القاعة، وفقاً لمصادر نقلت عنها رويترز، بريطانيا وألمانيا وفرنسا والدنمارك والسويد وفنلندا والنرويج وليتوانيا ولاتفيا وإستونيا، إلى جانب دول أخرى.
وتعكس هذه الواقعة استمرار تأثير الحرب الروسية الأوكرانية في العلاقات الاقتصادية الدولية، بما في ذلك الاجتماعات التي تركز أساساً على تنسيق السياسات المالية والنقدية ومواجهة المخاطر الاقتصادية المشتركة.
خلافات روسيا وأوكرانيا تختبر التعاون الاقتصادي الدولي
منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022، واجهت اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية صعوبات في التوصل إلى بيانات توافقية خلال السنوات اللاحقة، نتيجة التباينات الحادة بين أعضائها.
وتجددت هذه الخلافات خلال الاجتماعات الأخيرة، بالتزامن مع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وأوكرانيا، وتباين المواقف الغربية بشأن مشاركة روسيا في المحافل الاقتصادية الدولية.
في المقابل، دافعت الولايات المتحدة عن استمرار مشاركة موسكو في اجتماعات مجموعة العشرين، معتبرة أن الحوار المباشر ضروري لمعالجة الأزمات والتوصل إلى تسويات.
وقالت إيرين براون، وكيلة وزارة الخزانة الأمريكية للشؤون الدولية، إن حل الأزمات يتطلب وجود حوار مفتوح بين الأطراف المعنية، مشيرة إلى أن غياب التواصل يجعل التوصل إلى تسويات أكثر صعوبة.
وفي تطور متصل، انتقد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي اتفاق الديزل الذي أبرمه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع روسيا، فيما أعلن ترامب إعفاءً من عقوبات ورسوم جمركية مرتبطة بروسيا قبل أيام من دخولها حيز التنفيذ، وفقاً للتفاصيل الواردة في التقارير عن التطورات الأخيرة.
وتسلط هذه التطورات الضوء على التباين بين المواقف السياسية للدول المعنية بالحرب، وعلى التحديات التي تواجه المؤسسات الدولية في الحفاظ على التوافق بشأن القضايا الاقتصادية في ظل الانقسامات الجيوسياسية.
ماذا تعني تحذيرات الجدعان للاقتصاد الخليجي؟
تحمل التحذيرات بشأن الاقتصاد العالمي أهمية خاصة للاقتصادات الخليجية، بالنظر إلى ارتباطها بالتجارة الدولية وأسواق الطاقة وحركة الاستثمار وتكاليف التمويل.
فأي تصعيد جيوسياسي قد يؤثر في أسواق النفط والغاز، ويزيد تقلبات أسعار السلع والشحن، كما أن تشديد الأوضاع المالية العالمية قد ينعكس على تكلفة الاقتراض والتمويل والاستثمار.
وفي المقابل، تبرز أهمية تعزيز الاستدامة المالية وتنويع مصادر النمو وتوسيع قاعدة الأنشطة غير النفطية، إلى جانب الاستثمار في التكنولوجيا والبنية التحتية ورأس المال البشري، باعتبارها عناصر داعمة للقدرة على التعامل مع التقلبات الخارجية.
وتنسجم هذه الأولويات مع الرسالة الأساسية التي طرحها الجدعان، ومفادها أن متانة الاقتصاد لا تُقاس بقدرته على تجاوز الصدمات فحسب، بل أيضاً بمدى استعداد السياسات المالية والمؤسسات الاقتصادية للتعامل مع المخاطر المقبلة.
ومع استمرار التوترات التجارية والجيوسياسية، ستظل قدرة الاقتصادات على الحفاظ على الاستقرار المالي، وتأمين احتياجات الطاقة والغذاء، وجذب الاستثمارات، من العوامل المهمة في تحديد مسارات النمو خلال المرحلة المقبلة.
الخلاصة: متانة الاقتصاد العالمي تتطلب استعداداً مستمراً
تؤكد تصريحات محمد الجدعان أن الاقتصاد العالمي لا يزال يُظهر قدرة على التكيف مع الصدمات، لكن ارتفاع الدين العام، ومخاطر الطاقة والغذاء، والتوترات التجارية، والانقسامات الجيوسياسية، تفرض على صناع القرار مواصلة تعزيز الاستقرار المالي وتطوير أدوات مواجهة الأزمات.
وفي الوقت الذي تواصل فيه المؤسسات الدولية الدعوة إلى الحوار والتعاون، تكشف الانقسامات بشأن الحرب الروسية الأوكرانية عن صعوبة فصل الملفات الاقتصادية عن التوترات السياسية.
وبالنسبة إلى الاقتصادات الخليجية، تبرز أهمية مواصلة تعزيز المرونة المالية وتنويع محركات النمو والاستثمار المنتج، بما يدعم الاستقرار الاقتصادي في مواجهة بيئة عالمية تتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين.






