أظهرت بيانات التجارة الصينية لشهر أغسطس تحولات لافتة في خريطة إمدادات النفط الخام إلى أكبر مستورد للنفط في العالم، مع ارتفاع كبير في التدفقات القادمة من روسيا، مقابل تراجع حاد في واردات الصين من عدد من كبار المنتجين في الخليج، وفي مقدمتهم السعودية وسلطنة عمان والعراق.
وتكتسب هذه التحركات أهمية خاصة بالنسبة إلى دول الخليج، بالنظر إلى الوزن الكبير للصين في الطلب العالمي على النفط، وإلى كون السوق الصينية إحدى أهم وجهات صادرات الخام الخليجية.
- روسيا تعزز حضورها في السوق الصينية
- السعودية.. تراجع كبير في أغسطس
- الإمارات أكثر صمودًا من السعودية
- سلطنة عمان والعراق أمام تراجع حاد
- النفط الإيراني.. غياب في البيانات الرسمية
- ماليزيا وإندونيسيا.. أرقام تستحق المتابعة
- ماذا تعني الأرقام للخليج؟
- روسيا والخليج.. منافسة على الطلب الآسيوي
- الإمارات تحافظ على حضورها
- الخريطة النفطية الآسيوية تتغير
روسيا تعزز حضورها في السوق الصينية
بلغت واردات الصين من النفط الخام الروسي في أغسطس نحو 11.2 مليون طن، بما يعادل قرابة 2.64 مليون برميل يوميًا، بزيادة بلغت 41% على أساس سنوي و23% مقارنة بيوليو.
ويشير هذا الارتفاع إلى استمرار قوة التدفقات الروسية إلى السوق الصينية، في وقت تعيد فيه المصافي الآسيوية ترتيب مصادر إمداداتها وفق الأسعار والخصومات وتوافر الشحنات.
وتبرز روسيا بذلك كمصدر رئيسي للخام إلى الصين، في سوق تتنافس فيها الإمدادات الروسية والشرق أوسطية على حصة من الطلب الصيني.
السعودية.. تراجع كبير في أغسطس
في المقابل، تراجعت واردات الصين من النفط الخام السعودي إلى 3.2 مليون طن، بما يعادل نحو 740 ألف برميل يوميًا.
وانخفضت التدفقات السعودية بنسبة 47% على أساس سنوي، كما تراجعت بنسبة 41% مقارنة بيوليو.
ويضع هذا التراجع صادرات النفط السعودية إلى الصين أمام تغير ملحوظ خلال أغسطس، خصوصًا أن المملكة تعد من أهم موردي الخام إلى السوق الصينية.
ولا يعني انخفاض الواردات في شهر واحد بالضرورة تغيرًا دائمًا في العلاقة التجارية، إذ يمكن أن تتأثر التدفقات الشهرية بعوامل من بينها توقيت الشحنات والعقود والمخزونات وبرامج الصيانة لدى المصافي.
الإمارات أكثر صمودًا من السعودية
بلغت واردات الصين من النفط الخام الإماراتي نحو 2.9 مليون طن، بما يعادل قرابة 680 ألف برميل يوميًا.
ورغم انخفاضها 4% على أساس سنوي، ارتفعت الواردات الإماراتية بنسبة 20% مقارنة بيوليو.
ويظهر أداء الإمارات خلال أغسطس اختلافًا واضحًا عن السعودية، إذ شهدت الشحنات الإماراتية نموًا شهريًا في الوقت الذي تراجعت فيه الشحنات السعودية بقوة.
وهذه التحركات الشهرية تعكس أهمية متابعة البيانات على مدى أطول، بدلًا من اعتبار التغير في شهر واحد مؤشرًا نهائيًا على اتجاه الصادرات.
سلطنة عمان والعراق أمام تراجع حاد
سجلت الواردات الصينية من النفط الخام العراقي نحو 1.4 مليون طن خلال أغسطس، بانخفاض بلغ 75% على أساس سنوي.
كما بلغت واردات الصين من سلطنة عمان نحو 900 ألف طن، متراجعة بنسبة 71% على أساس سنوي، بعدما لم تسجل البيانات أي شحنات واردة من السلطنة خلال يوليو.
ويكتسب هذا التراجع أهمية بالنسبة إلى سوق النفط الخليجية، خصوصًا أن الصين تمثل أحد أكبر مراكز الطلب على الخام في العالم.
النفط الإيراني.. غياب في البيانات الرسمية
لم تسجل بيانات الجمارك الصينية واردات من النفط الخام من إيران خلال أغسطس، وهو ما يتماشى مع بيانات العام السابق.
لكن غياب النفط الإيراني من البيانات الجمركية الرسمية لا يعني بالضرورة غياب الخام الإيراني عن السوق الصينية.
وتشير بيانات الشحن وتحليلات السوق التي أوردتها رويترز إلى أن جزءًا من النفط الإيراني الخاضع للعقوبات قد يجري إعادة شحنه أو تغيير مساره عبر مراكز إقليمية، وهو ما يجعل تحديد المنشأ الفعلي لبعض الشحنات أكثر تعقيدًا.
ماليزيا وإندونيسيا.. أرقام تستحق المتابعة
بلغت واردات الصين من النفط الخام المسجل على أنه قادم من ماليزيا نحو 2.6 مليون طن، أي ما يعادل نحو 620 ألف برميل يوميًا.
وانخفضت هذه الواردات بنسبة 45% على أساس سنوي، لكنها ارتفعت بقوة بلغت 74% مقارنة بيوليو.
وتعد ماليزيا مركزًا مهمًا لإعادة شحن النفط في المنطقة، ولذلك تحظى بيانات الشحنات المسجلة باسمها باهتمام خاص عند تحليل تدفقات النفط الإيراني الخاضع للعقوبات.
كما استوردت الصين نحو 3.1 مليون طن من النفط الخام المسجل من إندونيسيا، بما يعادل قرابة 730 ألف برميل يوميًا، بزيادة بلغت 16% على أساس سنوي، بينما بقيت الواردات مستقرة تقريبًا مقارنة بيوليو.
وكانت واردات الصين من إندونيسيا محدودة للغاية في 2024، قبل أن تتجاوز مليوني طن شهريًا لأول مرة في يوليو 2025.
وأفادت رويترز في وقت سابق بأن الزيادة الكبيرة في الواردات المسجلة من إندونيسيا قد تكون مرتبطة، وفق تحليلها، بمحاولات لإخفاء شحنات من الخام الإيراني عبر إعادة شحنها في المياه القريبة من ماليزيا.
ماذا تعني الأرقام للخليج؟
تقدم بيانات أغسطس إشارة مهمة لأسواق النفط الخليجية: الصين لا تزال سوقًا ضخمة للخام، لكن حصص الموردين يمكن أن تتغير بسرعة.
ففي الوقت الذي ارتفعت فيه واردات الصين من روسيا، شهدت صادرات السعودية والعراق وعمان إلى السوق الصينية تراجعًا كبيرًا، بينما سجلت الإمارات نموًا شهريًا.
ويعني ذلك أن المنافسة على المصافي الصينية لا تعتمد فقط على حجم الإنتاج، وإنما تشمل السعر، وشروط العقود، وتكاليف الشحن، ونوعية الخام، ومستويات المخزون، وتوقيت التسليم.
روسيا والخليج.. منافسة على الطلب الآسيوي
تكتسب الزيادة الروسية أهمية أكبر في ظل اعتماد الاقتصادات الآسيوية على النفط المستورد.
فكل زيادة في تدفقات الخام الروسي إلى الصين تضع مزيدًا من البراميل في منافسة مباشرة على الطلب الذي تستهدفه دول الخليج المنتجة والمصدرة للنفط.
ولا يعني ذلك أن النفط الروسي يحل محل الخام الخليجي بصورة مباشرة، فالمصافي الصينية تتعامل مع مزيج واسع من أنواع الخام وفق احتياجاتها الفنية والاقتصادية.
لكن ارتفاع الإمدادات من مصدر معين يمكن أن يؤثر في توازنات السوق والأسعار وهوامش التكرير والطلب على شحنات الموردين الآخرين.
الإمارات تحافظ على حضورها
تبدو الإمارات في بيانات أغسطس حالة مختلفة نسبيًا داخل مجموعة الموردين الخليجيين، إذ انخفضت صادراتها للصين على أساس سنوي بنسبة محدودة، بينما ارتفعت على أساس شهري.
ويمنح تنوع الإنتاج والصادرات الإماراتية وقدرتها على الوصول إلى الأسواق الآسيوية أهمية خاصة في خريطة تجارة النفط العالمية.
أما السعودية، فإن التراجع الكبير في الشحنات المسجلة خلال أغسطس يستحق المتابعة عبر بيانات الأشهر المقبلة لمعرفة ما إذا كان يمثل حركة مؤقتة مرتبطة ببرامج الشحن والعقود، أم يعكس تغيرًا أكثر استدامة في تدفقات الخام إلى الصين.
الخريطة النفطية الآسيوية تتغير
تكشف أرقام أغسطس عن سوق نفط آسيوية شديدة الحركة، تتداخل فيها العوامل التجارية مع الجغرافيا السياسية والعقوبات وتكاليف النقل.
وبالنسبة إلى دول الخليج، تبقى الصين سوقًا استراتيجية، لكن البيانات تؤكد في الوقت نفسه أن المنافسة على الطلب الصيني أصبحت أكثر تعقيدًا، خصوصًا مع استمرار تدفق الخام الروسي وظهور مسارات تجارية غير مباشرة للنفط الخاضع للعقوبات.
وفي المحصلة، فإن قراءة أرقام شهر واحد لا تكفي للحكم على الاتجاه طويل الأجل للصادرات الخليجية، لكنها تقدم مؤشرًا مهمًا على أن خريطة إمدادات النفط إلى الصين تتغير، وأن المنتجين الخليجيين يواجهون منافسة متزايدة على واحدة من أهم أسواقهم الخارجية في ظل الاضطرابات في مضيق هرمز ومضيق باب المندب.






