لا تقتصر أهمية مضيق باب المندب على التجارة العالمية، بل يمثل أيضًا شريانًا استراتيجيًا لدول الخليج العربية، خصوصًا السعودية والإمارات وقطر والكويت وسلطنة عُمان، نظرًا إلى ارتباط اقتصادات المنطقة بشكل وثيق بتجارة الطاقة وحركة الملاحة بين الخليج والأسواق العالمية.
وتكمن أهمية المضيق بالنسبة إلى دول الخليج في كونه جزءًا من الطريق البحري الذي يربط موانئ الخليج العربي بالأسواق الأوروبية والأفريقية، مرورًا بخليج عدن والبحر الأحمر وقناة السويس. وبالتالي، فإن أي اضطراب في باب المندب يمكن أن يزيد المسافة والتكلفة اللازمة لنقل النفط والمنتجات البترولية والسلع من المنطقة إلى الأسواق الخارجية.
وتبرز السعودية بصورة خاصة في هذه المعادلة، إذ تمتلك شبكة واسعة من البنية التحتية النفطية والموانئ على ساحلي الخليج العربي والبحر الأحمر. ويتيح خط أنابيب شرق–غرب للمملكة نقل النفط من المنطقة الشرقية إلى موانئ البحر الأحمر، بما يوفر مسارًا بديلًا لبعض الصادرات التي يمكن أن تتجنب مضيق هرمز. غير أن وصول هذه الشحنات إلى الأسواق الأوروبية عبر البحر الأحمر يظل مرتبطًا بأمن الملاحة في باب المندب.
أما الإمارات، فتتمتع كذلك بموقع مهم في شبكة التجارة البحرية الخليجية، وتمتلك بنية تحتية تسمح بتصدير النفط عبر مسارات تتجاوز مضيق هرمز جزئيًا، لكن جزءًا من حركة التجارة والطاقة المتجهة إلى أوروبا يظل مرتبطًا بأمن البحر الأحمر وباب المندب.
أمن باب المندب لا يمثل قضية تخص اليمن أو البحر الأحمر وحدهما، بل يرتبط مباشرة بالأمن الاقتصادي لدول الخليج
منصة مقاصيص
وتصبح أهمية المضيق أكثر وضوحًا عند النظر إلى دول الخليج باعتبارها مركزًا رئيسيًا لإمدادات الطاقة العالمية. فحتى عندما لا تمر شحنات دولة خليجية بعينها عبر باب المندب، فإن اضطراب الممر قد يؤثر في توازن سوق الشحن والطاقة ككل، ويرفع تكاليف التأمين والنقل ويزيد علاوة المخاطر الجيوسياسية على أسعار النفط.
كما أن تحويل السفن الخليجية إلى طرق أطول، مثل المسار حول رأس الرجاء الصالح، يعني ارتفاع استهلاك الوقود وزيادة زمن الرحلات، وهو ما يرفع تكلفة تصدير النفط والمنتجات النفطية والبتروكيماويات وغيرها من السلع.
وتتجاوز المخاطر قطاع الطاقة إلى التجارة وسلاسل الإمداد. فدول الخليج تستورد كميات كبيرة من السلع والمواد الغذائية والمعدات والمنتجات الصناعية من آسيا وأوروبا، كما تعتمد اقتصاداتها على موانئ ومراكز لوجستية مرتبطة بشبكة التجارة العالمية. وبالتالي، فإن استمرار اضطرابات البحر الأحمر قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الاستيراد وإطالة زمن وصول الشحنات.
ويُضاف إلى ذلك تأثير محتمل على الموانئ والخدمات اللوجستية الخليجية. فكلما طال أمد الأزمة، قد تعيد شركات الشحن ترتيب خطوطها ومواعيدها، ما يفرض على الموانئ وشركات الخدمات اللوجستية في المنطقة التعامل مع تغيرات في أحجام الحركة ومسارات السفن.

أمن باب المندب من أمن الخليج
لكن الخطر الأكبر بالنسبة إلى دول الخليج يتمثل في تزامن المخاطر في باب المندب مع مضيق هرمز. فالأول يمثل بوابة الخليج إلى البحر الأحمر والأسواق الأوروبية عبر قناة السويس، بينما يمثل الثاني المنفذ البحري الأهم لصادرات الطاقة من الخليج إلى الأسواق العالمية. وأي اضطراب متزامن في الممرين سيجعل خيارات إعادة توجيه الصادرات أكثر محدودية، ويرفع تكلفة نقل الطاقة بصورة حادة.
ومن هذه الزاوية، فإن أمن باب المندب لا يمثل قضية تخص اليمن أو البحر الأحمر وحدهما، بل يرتبط مباشرة بالأمن الاقتصادي لدول الخليج. فاستقرار هذا الممر يساعد على ضمان انسياب صادرات الطاقة، والحفاظ على تنافسية طرق التجارة، وتقليل تكاليف الشحن والتأمين.
ولهذا، فإن التطورات في باب المندب ستظل محل متابعة وثيقة من العواصم الخليجية، ليس فقط من منظور أمني، وإنما باعتبارها عاملًا مؤثرًا في أسعار النفط، وتكلفة التجارة، وسلاسل الإمداد، وقدرة دول الخليج على الوصول إلى أسواقها العالمية.






