عاد مضيق باب المندب إلى واجهة المخاطر التي تهدد التجارة العالمية وإمدادات الطاقة، بعدما أدت التطورات العسكرية الأخيرة في اليمن إلى تصاعد المخاوف بشأن أمن الملاحة في أحد أهم الممرات البحرية التي تربط آسيا وأوروبا.
وتكتسب هذه المخاوف أهمية أكبر في الوقت الراهن، لأن أي اضطراب في مضيق باب المندب لا يقتصر تأثيره على حركة السفن في البحر الأحمر، بل يمتد إلى قناة السويس وأسواق النفط والغاز وتكاليف الشحن وسلاسل الإمداد العالمية.
- أين يقع مضيق باب المندب ولماذا هو مهم؟
- لماذا عاد باب المندب إلى دائرة الخطر؟
- باب المندب والنفط السعودي.. معادلة أكثر حساسية
- ماذا يحدث لأسعار النفط إذا تعطل باب المندب؟
- قناة السويس في مرمى التداعيات
- ارتفاع تكلفة الشحن وسلاسل الإمداد
- الأخطر: تزامن باب المندب مع مضيق هرمز
- هل يستطيع الاقتصاد العالمي تجاوز أزمة باب المندب؟
- الخلاصة
ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه المنطقة أصلًا اضطرابات في مضيق هرمز، ما يجعل المخاطر المحيطة بالممرين البحريين أكثر ترابطًا ويزيد حساسية الاقتصاد العالمي تجاه أي تعطّل في طرق نقل الطاقة.
أين يقع مضيق باب المندب ولماذا هو مهم؟
يقع مضيق باب المندب بين اليمن من جهة، وجيبوتي وإريتريا في القرن الأفريقي من جهة أخرى، ويربط البحر الأحمر بخليج عدن وبحر العرب.
وتكمن أهميته الاقتصادية في موقعه الجغرافي؛ فالسفن القادمة من آسيا والمتجهة إلى أوروبا عبر قناة السويس تحتاج إلى عبور باب المندب للوصول إلى البحر الأحمر، ما يجعل المضيق البوابة الجنوبية لأحد أهم الممرات التجارية بين الشرق والغرب.
ويعد باب المندب وقناة السويس وخط أنابيب سوميد معًا مسارات استراتيجية لشحنات النفط والغاز بين الخليج العربي وأوروبا وأميركا الشمالية. وفي النصف الأول من 2025، مرت عبر هذه المسارات كميات من النفط تعادل نحو 6% من تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا.
ولا تتوقف أهمية باب المندب عند النفط، إذ يمثل البحر الأحمر جزءًا أساسيًا من شبكة نقل السلع بين آسيا وأوروبا، ما يعني أن ارتفاع المخاطر الأمنية فيه يمكن أن يؤثر في قطاعات تتجاوز الطاقة بكثير.
لماذا عاد باب المندب إلى دائرة الخطر؟
شهدت الأسابيع الأخيرة تصعيدًا عسكريًا لافتًا في غرب اليمن، مع تقدم الحوثيين على الساحل المطل على البحر الأحمر وسيطرتها على مواقع استراتيجية، من بينها ميناء المخا وجزيرة ميون الواقعة في منطقة باب المندب.
ويمنح موقع هذه المناطق أهمية عسكرية كبيرة، لأن السيطرة على أجزاء من الساحل الغربي اليمني تتيح للجهة المسيطرة الاقتراب من خطوط الملاحة الدولية وتهديد السفن التي تستخدم الممر البحري.
وتأتي هذه التطورات بعد سنوات من الهجمات على السفن التجارية في البحر الأحمر، والتي دفعت شركات شحن وناقلات نفط إلى تغيير مساراتها والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح بدلًا من المرور عبر باب المندب وقناة السويس.
وأدت هذه الهجمات منذ أواخر 2023 إلى دفع عدد من السفن لاستخدام الطريق الأطول حول رأس الرجاء الصالح، وهو ما يزيد الوقت والتكلفة مقارنة بالمسار عبر البحر الأحمر.
باب المندب والنفط السعودي.. معادلة أكثر حساسية
تزداد أهمية المضيق بالنسبة إلى أسواق الطاقة بسبب ارتباطه بصادرات النفط السعودية ومسارات تصدير الخام من البحر الأحمر.
وقد أصبح هذا العامل أكثر وضوحًا خلال التطورات الأخيرة، إذ تزامنت المخاطر في باب المندب مع هجمات استهدفت منشآت نفطية وسفنًا مرتبطة بالسعودية.
وهبطت إمدادات النفط الخام السعودية في أغسطس إلى نحو 6 ملايين برميل يوميًا، بانخفاض 2.3 مليون برميل يوميًا عن الشهر السابق، في أدنى مستوى لها منذ أكثر من ثلاثة عقود. وارتبط هذا التراجع جزئيًا بهجمات استهدفت سفنًا قرب باب المندب ومصفاة جازان وسفنًا بالقرب من ينبع، إلى جانب هجمات أخرى على منشآت نفطية داخل المملكة.
وهنا تظهر أهمية باب المندب بالنسبة إلى السعودية بصورة خاصة؛ فالمملكة تمتلك مسارات لتصدير النفط عبر البحر الأحمر، بما في ذلك البنية المرتبطة بخط الأنابيب شرق–غرب، ما يجعل سلامة الممر البحري عنصرًا مهمًا في استراتيجية تنويع طرق تصدير الخام.
ماذا يحدث لأسعار النفط إذا تعطل باب المندب؟
لا يعني تعطّل باب المندب تلقائيًا توقف إمدادات النفط العالمية، لأن شركات الشحن تستطيع استخدام طرق بديلة، لكن هذه البدائل أكثر طولًا وتكلفة.
وعندما تضطر ناقلات النفط وسفن الحاويات إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، فإن الرحلة بين آسيا وأوروبا تصبح أطول، ما يزيد استهلاك الوقود وأجور الطواقم وتكاليف التأمين والصيانة.
وفي سوق النفط، يمكن أن تتحول هذه الزيادة في تكاليف النقل إلى علاوة إضافية على الأسعار، خصوصًا إذا تزامنت اضطرابات باب المندب مع نقص في الإمدادات أو ارتفاع المخاطر في مضيق هرمز.
وقد تجاوز سعر خام برنت 100 دولار للبرميل خلال التصعيد الحالي، وسط مخاوف متزايدة بشأن أمن طرق تصدير النفط في المنطقة.
وبالتالي، فإن الخطر الاقتصادي لا يرتبط فقط بكمية النفط التي تمر عبر باب المندب، وإنما أيضًا باحتمال ارتفاع تكلفة إيصال البرميل إلى المستهلك النهائي.
قناة السويس في مرمى التداعيات
يرتبط مستقبل مضيق باب المندب مباشرة بمستقبل قناة السويس.
فالسفن التي لا تستطيع أو لا ترغب في عبور باب المندب لا تستطيع الوصول إلى قناة السويس من الجنوب، ما يعني أن استمرار المخاطر في البحر الأحمر قد يحرم القناة من جزء مهم من حركة التجارة الدولية.
وهذه ليست مسألة نظرية؛ فقد أدى اضطراب الملاحة في البحر الأحمر خلال السنوات الماضية إلى انخفاض حركة السفن عبر قناة السويس، واضطرت شركات شحن كبرى إلى تحويل مساراتها حول أفريقيا.
وتكمن المشكلة بالنسبة إلى مصر في أن رسوم عبور قناة السويس تمثل مصدرًا مهمًا للعملة الأجنبية، وبالتالي فإن استمرار تحويل السفن إلى رأس الرجاء الصالح يمكن أن يضغط على الإيرادات المصرية في الوقت الذي تواجه فيه البلاد أصلًا تحديات اقتصادية ومالية.
ارتفاع تكلفة الشحن وسلاسل الإمداد
قد يكون تأثير باب المندب على الاقتصاد العالمي أكثر وضوحًا في قطاع الشحن.
فالسفينة التي تضطر إلى الدوران حول أفريقيا تحتاج إلى أيام إضافية للوصول إلى وجهتها، ما يعني استهلاك وقود أكبر وتأخر وصول البضائع وزيادة الحاجة إلى السفن لتغطية الجداول الزمنية نفسها.
وهذه التكاليف تنتقل تدريجيًا إلى المستوردين والمستهلكين، خصوصًا إذا طال أمد الأزمة.
كما أن اضطراب البحر الأحمر قد يؤثر في تجارة الحاويات والمواد الخام والسيارات والسلع الاستهلاكية، فضلًا عن شحنات الطاقة.
وبذلك يمكن أن يتحول مضيق باب المندب من مشكلة أمنية إقليمية إلى عامل ضغط على التضخم العالمي إذا استمرت اضطرابات الملاحة لفترة طويلة.
الأخطر: تزامن باب المندب مع مضيق هرمز
ربما تكمن أخطر تداعيات التطورات الحالية في أن المخاطر لم تعد محصورة في ممر بحري واحد.
ففي الوقت الذي يواجه فيه باب المندب ضغوطًا متزايدة، يشهد مضيق هرمز أيضًا اضطرابات حادة، ما يعني أن اثنين من أهم الممرات البحرية المرتبطة بتجارة الطاقة العالمية أصبحا في الوقت نفسه عرضة للمخاطر الجيوسياسية.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن تقدم الحوثيين في اليمن بات يهدد أمن الملاحة في باب المندب، في وقت يعاني فيه هرمز من اضطرابات، وهو ما يضيف ضغطًا على إمدادات النفط العالمية وصادرات السعودية.
وهذه الحالة أكثر خطورة من تعطل أحد المضيقين منفردًا، لأن خيارات إعادة توجيه الشحن تصبح محدودة، فيما ترتفع تكاليف التأمين والنقل والطاقة في وقت واحد.
هل يستطيع الاقتصاد العالمي تجاوز أزمة باب المندب؟
يمتلك الاقتصاد العالمي بعض البدائل، لكنها ليست مجانية.
فالطريق حول رأس الرجاء الصالح يوفر مسارًا بحريًا بديلًا، لكنه أطول بكثير. كما يمكن لبعض منتجي النفط استخدام خطوط الأنابيب لتجاوز الممرات البحرية، لكن طاقة هذه الخطوط محدودة مقارنة بحجم التجارة العالمية.
وهذا يعني أن استمرار الأزمة لفترة قصيرة قد يؤدي أساسًا إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وتأخر الرحلات، بينما يمكن أن تتحول الأزمة إلى صدمة اقتصادية أوسع إذا استمر تعطيل الملاحة لأشهر أو تزامن مع نقص في إمدادات الطاقة.
الخلاصة
لم يعد مضيق باب المندب مجرد نقطة جغرافية على خريطة الملاحة الدولية، بل أصبح أحد أهم مؤشرات المخاطر التي تراقبها أسواق النفط والشحن والتجارة العالمية.
وتكشف التطورات الأخيرة في اليمن أن أهمية المضيق تتجاوز موقعه العسكري، إذ يرتبط مباشرة بقناة السويس، وحركة التجارة بين آسيا وأوروبا، وصادرات النفط والغاز، وتكاليف الشحن والتأمين.
وتزداد حساسية الوضع مع تزامن التوتر في باب المندب مع اضطرابات مضيق هرمز، ما يرفع مخاطر حدوث صدمة مزدوجة في طرق نقل الطاقة العالمية.
وفي حال استمرار التصعيد، فإن التأثير الأبرز قد لا يكون توقف التجارة بالكامل، وإنما ارتفاع تكلفة نقل النفط والبضائع، وزيادة أسعار التأمين، وإطالة زمن الرحلات، وضغط إضافي على أسعار الطاقة والتضخم.
ولهذا، فإن مستقبل الملاحة في باب المندب سيظل خلال المرحلة المقبلة عاملًا حاسمًا في تحديد اتجاهات أسعار النفط والشحن والتجارة العالمية، كما سيكون أمن البحر الأحمر وقناة السويس جزءًا أساسيًا من معادلة الأمن الاقتصادي الدولي.






