تتجه صناعة الملابس العالمية إلى مواجهة ضغوط متزايدة نتيجة تداعيات الحرب الأمريكية على إيران، مع ارتفاع تكاليف الطاقة والشحن والمواد الخام، بالتزامن مع مخاوف بشأن تأثير ظاهرة النينيو في المحاصيل الزراعية، ما يضغط على هوامش أرباح مصانع الملابس ويزيد احتمالات انتقال ارتفاع التكاليف إلى المستهلكين خلال الأشهر المقبلة.
وتبرز بنغلاديش كإحدى الأسواق التي بدأت تشعر بهذه التداعيات، إذ توقفت إحدى قاعات الإنتاج في مصنع بلومي فاشنز بالقرب من دكا منذ نحو ثلاثة أشهر، بعدما علّق أحد المشترين طلبات البوليستر انتظارًا لاحتمال تراجع الأسعار، وفقًا لما أوردته بلومبرغ.
ارتفاع أسعار القطن والبوليستر يضغط على صناعة الملابس
لا تقتصر تداعيات الحرب على تكاليف الطاقة والشحن، إذ ارتفعت أسعار البوليستر المصنّع من مشتقات الوقود الأحفوري مع صعود أسعار النفط، بينما شهد القطن ارتفاعًا نتيجة مخاوف بشأن الإمدادات ونقص الأسمدة والقلق من تأثير ظاهرة النينيو في المحاصيل.
وارتفع سعر القطن إلى أعلى مستوى له في عامين، مع اتجاه المشترين إلى البحث عن بدائل وتشدد الإمدادات، فيما وصلت العقود الآجلة للقطن أخيرًا إلى أعلى مستوياتها منذ مارس/آذار 2024.
المصانع تتحمل الجزء الأكبر من ارتفاع التكاليف
يقع الجزء الأكبر من الضغوط حاليًا على مصنعي الملابس والمنسوجات، إذ تمثل المواد الخام نحو 60% من تكلفة إنتاج القميص الأساسي، في حين تتراوح هوامش أرباح المصانع عادة بين 2% و3% فقط.
وفي ألمانيا، ارتفعت تكاليف شركة كيتلهاك المتخصصة في صناعة الأقمشة بنسبة تراوحت بين 5% و8%. كما قالت شركة إندو كاونت إندستريز الهندية إن الارتفاع طال مجموعة واسعة من مدخلات الإنتاج، بدءًا من القطن والبوليستر وصولًا إلى الأصباغ والمواد الكيميائية والنفط والغاز.
صادرات الملابس في آسيا تواجه ضغوطًا متزايدة
بدأت آثار ارتفاع تكاليف الإنتاج تظهر في عدد من مراكز صناعة الملابس الآسيوية. ففي الهند، التي تستحوذ على نحو 4% من تجارة المنسوجات والملابس العالمية، تراجعت صادرات الملابس الجاهزة بنسبة 4.5% على أساس سنوي في يوليو/تموز، بينما انخفضت بنسبة 10.5% خلال الأشهر الأربعة الأولى من السنة المالية.
وفي بنغلاديش، التي تصدر ملابس إلى الشرق الأوسط بقيمة تقارب 800 مليون دولار سنويًا، أصبحت هذه التجارة شبه متوقفة حاليًا، وفقًا لبلومبرغ.
وتعكس هذه التطورات حجم الضغوط التي تواجهها سلاسل توريد الملابس العالمية، خصوصًا مع اعتماد الصناعة على شبكات إنتاج وشحن تمتد عبر عدة دول ومناطق.
متى ترتفع أسعار الملابس في المتاجر؟
من المتوقع أن يبدأ المستهلكون في الشعور بتداعيات ارتفاع تكاليف صناعة الملابس خلال الخريف، على أن يظهر التأثير الأكبر في المتاجر خلال ربيع وصيف العام المقبل.
ويرجع ذلك إلى أن العلامات التجارية الكبرى تبرم جزءًا كبيرًا من طلبياتها قبل موعد وصول المنتجات إلى المتاجر بفترة قد تصل إلى عام، ما يعني أن ارتفاع تكاليف الإنتاج الحالية قد لا ينعكس فورًا على أسعار التجزئة.
ويقدر جوليان هوغل، الشريك في شركة ماكنزي، أن أسعار فئات الملابس الأساسية قد ترتفع في نهاية المطاف بنسبة تتراوح بين 10% و20%، مع احتمال استغراق انتقال كامل الزيادة إلى المستهلكين مدة تصل إلى عام.
شركات الملابس أمام خيار رفع الأسعار أو خفض التكاليف
بدأت بعض العلامات التجارية بالفعل في دراسة كيفية التعامل مع ارتفاع تكاليف الإنتاج. واختارت شركة أسكيت السويدية رفع أسعار منتجاتها بدلًا من خفض الجودة.
وفي المقابل، يرى مصنعون ومستشارون أن استمرار الضغوط قد يدفع شركات الملابس إلى اتخاذ إجراءات أخرى، مثل تقليل أوزان الأقمشة، وتبسيط التصميمات، وإعادة النظر في مزيج الخامات المستخدمة في المنتجات.
وقالت إنديتكس، المالكة لعلامة زارا، إن اضطرابات الشرق الأوسط أدت إلى ارتفاع تكاليف النقل ومدخلات الإنتاج، متوقعة استمرار الضغط على هوامش الربح الإجمالية خلال النصف الثاني من العام، فيما عدّلت الشركة وسائل النقل ومصادر التوريد للحد من تأثير الحرب.
ارتفاع أسعار الملابس يهدد إنفاق المستهلكين
يمثل رفع أسعار الملابس تحديًا إضافيًا للشركات، خصوصًا في ظل ارتفاع تكاليف الغذاء والطاقة، وهو ما يقلص الأموال المتاحة لدى الأسر للإنفاق على السلع غير الأساسية.
وبذلك تواجه صناعة الملابس العالمية معادلة صعبة: ارتفاع أسعار المواد الخام والطاقة والنقل من جهة، وضغوط المستهلكين وتراجع القدرة الشرائية من جهة أخرى، ما قد يجعل الأشهر المقبلة حاسمة بالنسبة للعلامات التجارية والمصانع وسلاسل توريد الملابس حول العالم.






