تشهد سوق ناقلات النفط العملاقة موجة ارتفاع حادة في تكاليف الشحن، مع استمرار أزمة مضيق هرمز وغياب مؤشرات واضحة على انفراج التوتر بين واشنطن وطهران، في وقت تتخذ فيه الولايات المتحدة إجراءات لتنظيم حركة الناقلات عبر المضيق وتوفير الحماية العسكرية للسفن التجارية.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه حساسية سوق النفط العالمية تجاه أمن الملاحة في منطقة الخليج، باعتبار مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية لتجارة الطاقة، ما يدفع شركات الشحن والمشترين الآسيويين إلى البحث عن مسارات ومصادر بديلة للخام.
- أكثر من 40% ارتفاعاً في عوائد الناقلات
- أكثر من 400 ألف دولار يومياً على خط الخليج والصين
- أزمة هرمز تمتد إلى المحيط الأطلسي
- الحماية العسكرية تضيف بعداً جديداً للتكلفة
- لماذا ترتفع أسعار الناقلات بهذه السرعة؟
- سوق الناقلات سبق أن شهد تقلبات حادة
- قفزة قياسية بعد اندلاع الحرب
- من يدفع فاتورة ارتفاع تكاليف الشحن؟
- آسيا في قلب التأثير
- هل تستمر أسعار الشحن عند هذه المستويات؟
أكثر من 40% ارتفاعاً في عوائد الناقلات
ارتفع المؤشر العالمي المركب لعوائد الناقلات العملاقة بأكثر من 40% منذ بداية الشهر، فيما وصلت تكلفة نقل النفط من خليج المكسيك إلى آسيا إلى مستويات قياسية.
ويعكس هذا الارتفاع زيادة الطلب الآسيوي على الخام القادم من مصادر بعيدة عن الخليج، في محاولة لتعويض أي اضطرابات محتملة في الإمدادات المرتبطة بمضيق هرمز.
وتجاوزت تكلفة الرحلة الواحدة من خليج المكسيك إلى آسيا 29 مليون دولار، بما يعادل نحو 15 دولاراً للبرميل، وهو مستوى يوضح حجم القفزة التي شهدتها تكلفة نقل النفط لمسافات طويلة.
ولا تقتصر التداعيات على المسارات المتجهة من الولايات المتحدة إلى آسيا، إذ امتدت موجة ارتفاع أسعار الشحن إلى طرق أخرى في سوق الناقلات العالمية.
أكثر من 400 ألف دولار يومياً على خط الخليج والصين
سجلت تكلفة النقل على المسار بين خليج عُمان والصين ارتفاعاً جديداً، مع توسع عمليات نقل الخام من ناقلة إلى أخرى خارج مضيق هرمز.
وتجاوزت عوائد الناقلات على هذا المسار 400 ألف دولار يومياً، في انعكاس مباشر لتزايد المخاطر المرتبطة بحركة السفن في المنطقة، وارتفاع الطلب على الناقلات القادرة على تنفيذ عمليات نقل بديلة.
وتُعد عمليات النقل من سفينة إلى أخرى خارج مناطق العبور التقليدية إحدى الآليات التي تلجأ إليها شركات الشحن والتجارة النفطية للتعامل مع اضطرابات حركة الملاحة، لكنها في الوقت نفسه تضيف تكاليف ومخاطر تشغيلية إلى سلسلة الإمداد.
أزمة هرمز تمتد إلى المحيط الأطلسي
لم تبقِ تداعيات الأزمة محصورة في الناقلات العاملة قرب الخليج، بل امتدت إلى المحيط الأطلسي.
وتجاوزت تكلفة استئجار الناقلة على المسار بين غرب أفريقيا والصين 350 ألف دولار يومياً، مع سحب المزيد من السفن نحو الأسواق الشرقية وارتفاع اعتماد آسيا على خامات تصل إليها من مسافات أطول.
ويعني ذلك أن أزمة الملاحة في الخليج بدأت تؤثر في التوازن العالمي لسوق الناقلات، إذ يؤدي تغيير مسارات تجارة النفط إلى إعادة توزيع الأسطول المتاح بين المناطق المختلفة.
وعندما تزداد المسافات التي تقطعها الناقلات، ينخفض عدد الرحلات التي تستطيع السفينة تنفيذها خلال فترة زمنية معينة، ما يؤدي إلى تقليص المعروض الفعلي من السفن ورفع أسعار الشحن.
الحماية العسكرية تضيف بعداً جديداً للتكلفة
تتزامن القفزة في تكاليف الشحن مع إجراءات أميركية جديدة لتنظيم حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز.
ووفق التقارير، طلبت البحرية الأميركية من ناقلات النفط التي تعبر المضيق الإبحار في أوقات محددة، بما يسمح بتوفير الحماية العسكرية لها خلال العبور.
ويضيف هذا التطور بعداً جديداً إلى تكلفة نقل النفط، إذ تصبح عملية العبور مرتبطة ليس فقط بالمخاطر التجارية والتأمينية، وإنما أيضاً بترتيبات أمنية وعسكرية أكثر تعقيداً.
وتشير التقديرات الواردة إلى أن تكلفة تشغيل بعض الطائرات العسكرية المتقدمة قد تصل إلى 75 ألف دولار في الساعة، فيما يستغرق عبور السفن التجارية لمضيق هرمز نحو سبع ساعات.
لماذا ترتفع أسعار الناقلات بهذه السرعة؟
تعكس القفزة الحالية في أسعار الشحن تفاعل عدة عوامل في وقت واحد.
أول هذه العوامل هو ارتفاع المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالمضيق، ما يدفع شركات النقل إلى طلب عوائد أعلى لتعويض المخاطر.
العامل الثاني هو زيادة الطلب الآسيوي على النفط من مصادر بعيدة، الأمر الذي يرفع الطلب على الناقلات ذات الرحلات الطويلة.
أما العامل الثالث فيتمثل في إعادة توزيع الأسطول العالمي، إذ يؤدي استخدام المزيد من السفن في الرحلات الطويلة إلى تقليص عدد الناقلات المتاحة لمسارات أخرى.
وتضاف إلى ذلك تكاليف التأمين والانتظار والمسارات البديلة، وهي تكاليف يمكن أن تنتقل في النهاية إلى سعر النفط الذي يدفعه المشترون.
سوق الناقلات سبق أن شهد تقلبات حادة
لا تعد الارتفاعات الحالية ظاهرة منفصلة عن تاريخ سوق ناقلات النفط، التي شهدت خلال السنوات الماضية تحركات قوية في الأسعار نتيجة التغيرات الجيوسياسية وتبدل مسارات التجارة العالمية.
ففي عام 2022، تجاوزت تكلفة استئجار الناقلات العملاقة 100 ألف دولار يومياً، مدفوعة بالتداعيات التي خلفتها الحرب الروسية على أوكرانيا وإعادة تشكيل طرق تجارة النفط العالمية.
وتراجعت التكلفة في العام التالي إلى نحو 80 ألف دولار يومياً مع تكيف الأسواق مع مسارات تجارة النفط الجديدة.
وفي سبتمبر/أيلول 2024، هبطت إلى نحو 65 ألف دولار يومياً، قبل أن تعاود الارتفاع خلال النصف الثاني من العام الماضي إلى نحو 100 ألف دولار يومياً، مع نمو صادرات الشرق الأوسط وشح السفن المتاحة للرحلات الطويلة.
قفزة قياسية بعد اندلاع الحرب
مع اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية الإيرانية في فبراير/شباط الماضي، شهدت تكاليف استئجار الناقلات العابرة لمضيق هرمز قفزة حادة.
وسجل مسار الخليج – الصين أعلى عائد في تاريخه، متجاوزاً 800 ألف دولار يومياً، في مؤشر على حجم الضغوط التي يمكن أن تفرضها المخاطر الجيوسياسية على سوق النقل البحري.
وتأتي القفزة الحالية لتؤكد أن سوق الناقلات أصبح أحد أسرع القطاعات تأثراً بأي اضطراب في تدفقات النفط العالمية.
من يدفع فاتورة ارتفاع تكاليف الشحن؟
ارتفاع تكلفة الناقلات لا يعني بالضرورة أن شركات الشحن ستتحمل كامل الزيادة.
فعندما ترتفع تكلفة نقل برميل النفط، يمكن أن تنعكس الزيادة على أطراف متعددة في سلسلة التجارة، بدءاً من المنتجين والبائعين، مروراً بالتجار وشركات التكرير، وصولاً إلى المشترين النهائيين.
ويعتمد حجم انتقال التكلفة إلى أسعار النفط على ظروف السوق، وحجم الإمدادات المتاحة، وقدرة المشترين على الحصول على الخام من مصادر بديلة.
وفي الأسواق الآسيوية، قد يكون الأثر أكثر وضوحاً إذا اضطرت المصافي إلى الاعتماد بصورة أكبر على خامات قادمة من غرب أفريقيا أو الولايات المتحدة أو مناطق أخرى بعيدة عن الخليج.
آسيا في قلب التأثير
تُعد آسيا الطرف الأكثر حساسية للتطورات الحالية، نظراً لاعتمادها الكبير على واردات النفط المنقولة بحراً.
ومع ارتفاع المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز، تتجه الشركات الآسيوية إلى تنويع مصادر الإمدادات، لكن هذا التنويع يأتي بتكلفة أعلى عندما يتطلب نقل النفط لمسافات أطول.
وبالتالي، فإن الأزمة لا تؤثر فقط على حركة السفن، بل يمكن أن تغير أيضاً اقتصاديات تجارة النفط العالمية، من خلال تغيير الوجهات والمصادر والمسافات التي تقطعها الناقلات.
هل تستمر أسعار الشحن عند هذه المستويات؟
يعتمد مستقبل سوق ناقلات النفط بدرجة كبيرة على مسار التوترات في منطقة الخليج ومضيق هرمز.
فأي تحسن في الوضع الأمني وعودة حركة الملاحة إلى طبيعتها يمكن أن تخففا من علاوة المخاطر وتعيد بعض التوازن إلى سوق الناقلات.
أما استمرار التوتر لفترة أطول، فقد يبقي أسعار الشحن مرتفعة، خصوصاً إذا استمر الطلب الآسيوي على الإمدادات البديلة، أو زادت القيود الأمنية على حركة السفن.
وفي هذه الحالة، قد تتحول تكاليف النقل المرتفعة من تأثير مؤقت إلى عامل أكثر استدامة في تسعير النفط والتجارة البحرية.
الخلاصة
تكشف القفزة القياسية في تكلفة استئجار ناقلات النفط عن حجم التداعيات الاقتصادية لأزمة مضيق هرمز، التي لم تعد تقتصر على مخاطر إمدادات الخام، بل امتدت إلى سوق النقل البحري والتأمين ومسارات التجارة العالمية.
ومع تجاوز بعض عوائد الناقلات 400 ألف دولار يومياً، ووصول تكلفة بعض الرحلات إلى أكثر من 29 مليون دولار، أصبحت تكلفة نقل النفط نفسها عاملاً مؤثراً في اقتصاديات تجارة الطاقة.
ويبقى العامل الحاسم خلال المرحلة المقبلة هو مسار الأزمة الأمنية في المنطقة؛ فكلما طال أمد اضطراب الملاحة، زادت احتمالات بقاء علاوة المخاطر مرتفعة، وارتفاع تكلفة نقل النفط إلى المستوردين الآسيويين، مع انعكاسات محتملة على أسعار الخام وهوامش التكرير والتجارة العالمية.






