بحث مسؤولون خليجيون مبادرات جديدة لتعزيز التكامل الاقتصادي والاستثماري بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، تشمل تنسيق الاستراتيجيات الصناعية، وتوسيع المشروعات المشتركة، وتطوير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، وإنشاء ممرات استثمارية ولوجستية لدعم الصادرات الخليجية وفتح أسواق جديدة أمام الشركات.
وجاءت هذه المقترحات خلال جلسة «مستقبل الاستثمار في منطقة الخليج»، ضمن أعمال النسخة التاسعة من المنتدى العالمي للاستثمار 2026، الذي تستضيفه دولة قطر بالشراكة مع مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «الأونكتاد»، تحت شعار «الاستثمار في المستقبل».
- قطر تدعو إلى بناء سلاسل قيمة صناعية خليجية متكاملة
- الكويت تركز على الاستثمار في مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي
- البحرين تقترح نموذجًا عمليًا لتطوير الفرص الصناعية
- الإمارات تستعرض نتائج اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة
- ممر استثماري ولوجستي خليجي لدعم الصادرات
- أربعة مسارات لتعزيز الاستثمار والتكامل الاقتصادي الخليجي
- التكامل الخليجي يتطلب تحويل المبادرات إلى مشروعات قابلة للتنفيذ
وركزت المناقشات على تحويل الإمكانات الاقتصادية والمالية والصناعية لدول المجلس إلى مشروعات قابلة للتنفيذ، من خلال تعزيز التعاون بين الحكومات والقطاع الخاص، وربط سلاسل الإنتاج والإمداد، والاستفادة من الموقع الجغرافي والبنية التحتية المتقدمة لدول الخليج.
وتعكس المقترحات توجهًا نحو تطوير نموذج للتكامل الاقتصادي يتجاوز التجارة التقليدية، ليشمل بناء سلاسل قيمة إقليمية، وتوسيع الاستثمارات التقنية، وتعزيز القدرة التنافسية للصادرات الخليجية في الأسواق العالمية.
قطر تدعو إلى بناء سلاسل قيمة صناعية خليجية متكاملة
أكد الدكتور أحمد بن محمد السيد، وزير الدولة لشؤون التجارة الخارجية بوزارة التجارة والصناعة في قطر، أن تعزيز التكامل الاقتصادي والصناعي بين دول مجلس التعاون، بالتوازي مع توظيف التكنولوجيا الحديثة، يوفر فرصًا لتطوير مشروعات مشتركة وبناء اقتصاد خليجي أكثر تنوعًا وقدرة على المنافسة عالميًا.
وأوضح أن الأزمات العالمية، بما فيها جائحة كوفيد-19، أظهرت أهمية الترابط الاقتصادي بين دول المنطقة لضمان استمرارية تدفق السلع وتعزيز مرونة الاقتصادات في مواجهة الاضطرابات.
وأشار إلى ما تمتلكه دول المجلس من موارد طبيعية ومواد أولية ومصادر للطاقة وقدرات مالية وبنية تحتية متقدمة وكفاءات بشرية مؤهلة، وهي مقومات يمكن توظيفها لتطوير منظومة إنتاج إقليمية أكثر تكاملًا.
وشدد على أهمية الانتقال من سلاسل الإمداد التقليدية إلى سلاسل قيمة خليجية مترابطة، من خلال توزيع مراحل الإنتاج بين الدول الأعضاء وفقًا للمزايا التنافسية لكل دولة، بما يعزز التجارة البينية ويرفع القيمة المضافة للصناعات الخليجية.
كما أكد الدور المحوري للقطاع الخاص في تطوير المشروعات المشتركة، خصوصًا في الصناعات التحويلية ومراكز البيانات والحوسبة فائقة النطاق، مشيرًا إلى أن الجمع بين التكامل الصناعي والتكنولوجيا والربط اللوجستي يفتح مجالات جديدة للنمو الاقتصادي.
الكويت تركز على الاستثمار في مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي
من جانبه، دعا السيد عبدالعزيز ناصر عبدالعزيز المرزوق، وزير الدولة للشؤون الاقتصادية والاستثمار الكويتي، إلى تطوير مراكز البيانات ومراكز الحوسبة فائقة النطاق، باعتبارها من الفرص الاستراتيجية لتعزيز حضور دول الخليج في الاقتصاد الرقمي العالمي.
وأوضح أن وفرة الطاقة في المنطقة تمثل ميزة تنافسية يمكن الاستفادة منها في استقطاب الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، إلى جانب تطوير بنية تحتية رقمية قادرة على خدمة الأسواق الإقليمية والدولية.
وأشار إلى إمكانية تعزيز موقع الخليج بوصفه مركزًا للبنية التحتية الرقمية يربط بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، مستفيدًا من موقعه الجغرافي وإمكاناته في قطاع الطاقة وقدراته الاستثمارية.
ومن المتوقع، وفق الطرح الذي شهدته الجلسة، أن يسهم توسيع الاستثمار في هذا المجال في جذب رؤوس أموال جديدة، ودعم نمو الصناعات والخدمات التقنية، وفتح مجالات إضافية لتنويع مصادر الدخل في الاقتصادات الخليجية.
ويبرز هذا التوجه أهمية تطوير مراكز البيانات والحوسبة المتقدمة ضمن الاستراتيجيات الاستثمارية الإقليمية، مع تعزيز التكامل بين الطاقة والاتصالات والخدمات الرقمية.
البحرين تقترح نموذجًا عمليًا لتطوير الفرص الصناعية
أكد السيد عبدالله بن عادل فخرو، وزير الصناعة والتجارة في مملكة البحرين، ضرورة انتقال الحكومات من الترويج العام للاستثمار إلى تحديد الفرص الاستثمارية وتطويرها استنادًا إلى احتياجات الأسواق الفعلية.
وأوضح أن البحرين تعتمد نهجًا يقوم على تحليل الواردات وتحديد المنتجات التي يمكن تصنيعها محليًا بدلًا من استيرادها، مشيرًا إلى تحديد 12 قطاعًا صناعيًا مستهدفًا لجذب الاستثمارات.
ويشمل هذا النهج إعداد ملفات متكاملة للفرص الاستثمارية، تتضمن حجم الاستثمار المطلوب، والشركاء المحليين المحتملين، والأراضي المناسبة لإقامة المشروعات، إلى جانب دراسة إمكانية مشاركة المستثمرين المحليين وصندوق الثروة السيادي، وتوفير اتفاقيات شراء تدعم وجود طلب مستقبلي على المنتجات.
ودعا فخرو إلى توسيع تطبيق هذا النموذج على المستوى الخليجي، من خلال تنسيق الجهود لتحديد المنتجات القابلة للتصنيع داخل المنطقة وإطلاق مشروعات صناعية مشتركة.
كما شدد على أهمية مواءمة الاستراتيجيات الصناعية بين دول المجلس وتحديد المزايا التنافسية لكل اقتصاد، بما يسمح ببناء سلاسل إنتاج وإمداد متكاملة تقلل الاعتماد على الواردات في المنتجات التي يمكن تصنيعها إقليميًا.
وفيما يتعلق بالتجارة الخارجية، أشار إلى أن محدودية الحصة السكانية لدول المجلس، التي تقل عن 1% من سكان العالم، تجعل توسيع الوصول إلى الأسواق الدولية عبر اتفاقيات التجارة الحرة عاملًا مهمًا لدعم نمو الصادرات الخليجية.
الإمارات تستعرض نتائج اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة
استعرض السيد فهد القرقاوي، وكيل وزارة التجارة الخارجية في دولة الإمارات العربية المتحدة، تجربة بلاده في اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة «سيبا»، التي تستهدف خفض الرسوم الجمركية وتسهيل وصول المنتجات الإماراتية إلى الأسواق الدولية.
وأوضح أن الإمارات بدأت برنامج الاتفاقيات عام 2022، مؤكدًا أن هذه الشراكات لا تقتصر على فتح أسواق جديدة أمام الشركات، بل تسهم أيضًا في تعزيز جاذبية الدولة للمستثمرين الراغبين في الاستفادة من موقعها الاستراتيجي وبنيتها التحتية وشبكاتها اللوجستية.
وأشار إلى اتفاقية الشراكة الاقتصادية مع الهند بوصفها مثالًا على الفرص التي تتيحها الأسواق الكبيرة أمام المصدرين والمستثمرين.
ووفق الأرقام التي استعرضها خلال الجلسة، بلغت التجارة الخارجية الإماراتية نحو 3.8 تريليون درهم، بما يعادل قرابة 1.1 تريليون دولار، فيما وصلت التجارة مع الدول المرتبطة باتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة إلى نحو 175 مليار درهم، بنمو يقارب 18%، ومساهمة بلغت 21% من التجارة غير النفطية.
وأوضح أن هذه الاتفاقيات تدعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتحسن قدرتها على المنافسة، وتتيح فرصًا إضافية لتطوير سلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية.
كما أشار إلى وجود فرص استثمارية في قطاع المعادن الحيوية في جمهورية الكونغو الديمقراطية تُقدّر بنحو ملياري دولار، مؤكدًا أهمية الاستثمارات اللوجستية في دعم حركة الصادرات وتعزيز الاستفادة من اتفاقيات الوصول إلى الأسواق.
وشدد على أن تحويل الاتفاقيات التجارية إلى نتائج اقتصادية ملموسة يتطلب معالجة العقبات التجارية، وتطوير آليات التعاون بين الدول، وربط فرص النفاذ إلى الأسواق بمشروعات إنتاجية وصادرات فعلية.
ممر استثماري ولوجستي خليجي لدعم الصادرات
من أبرز المقترحات التي طُرحت خلال المنتدى مبادرة لإنشاء ممر استثماري ولوجستي إقليمي للصادرات، بالتعاون بين الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية والجهات الاستثمارية في الدول الأعضاء، وبمشاركة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «الأونكتاد».
وتقوم المبادرة على تحديد القدرات الإنتاجية المتاحة في دول الخليج، خصوصًا في قطاعات مثل الأمن الغذائي، وربطها بشبكات النقل والخدمات اللوجستية ومنافذ التصدير في الدول الأعضاء، بهدف تسهيل حركة المنتجات وتعزيز وصولها إلى الأسواق الخارجية.
ومن شأن هذا التصور، إذا جرى تطويره وتنفيذه، أن يساعد على الربط بين مواقع الإنتاج والأسواق المستهدفة، وتحسين الاستفادة من البنية التحتية القائمة، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية بالتجارة والاستثمار والنقل.
كما أشار المشاركون إلى إمكانية مساهمة «الأونكتاد» في تنفيذ المبادرة من خلال بناء القدرات، ودعم التحول الرقمي، وتطوير الجوانب الفنية المرتبطة بالمنتجات والإجراءات التجارية.
ويكتسب هذا المقترح أهمية في ظل الحاجة إلى تعزيز الترابط بين الإنتاج المحلي والإقليمي والخدمات اللوجستية، بما يدعم تنافسية الصادرات الخليجية ويوفر فرصًا جديدة للشركات والمستثمرين.
أربعة مسارات لتعزيز الاستثمار والتكامل الاقتصادي الخليجي
توزعت المبادرات التي ناقشها المسؤولون خلال الجلسة على أربعة مسارات رئيسية:
- التكامل الصناعي: تنسيق الاستراتيجيات الصناعية وتوزيع مراحل الإنتاج بين دول المجلس وفقًا للمزايا التنافسية، وتطوير مشروعات مشتركة تقلل الاعتماد على الواردات.
- الاقتصاد الرقمي: توسيع الاستثمار في مراكز البيانات والحوسبة فائقة النطاق والذكاء الاصطناعي، والاستفادة من وفرة الطاقة والبنية التحتية الرقمية.
- التجارة والوصول إلى الأسواق: الاستفادة من اتفاقيات الشراكة الاقتصادية والتجارة الحرة لتوسيع الأسواق أمام الشركات الخليجية، وتعزيز صادرات المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
- الربط اللوجستي: تطوير ممرات إقليمية تربط القدرات الإنتاجية بشبكات النقل ومنافذ التصدير، بما يدعم الأمن الغذائي ويعزز حركة السلع بين الأسواق الخليجية والدولية.
وتتقاطع هذه المسارات حول هدف رئيسي يتمثل في تحويل الموارد والإمكانات المتاحة إلى قيمة اقتصادية مضافة، من خلال تعاون أكثر تنسيقًا بين الحكومات والمستثمرين والشركات والمؤسسات الإقليمية والدولية.
التكامل الخليجي يتطلب تحويل المبادرات إلى مشروعات قابلة للتنفيذ
أبرزت مناقشات جلسة «مستقبل الاستثمار في منطقة الخليج» أهمية الانتقال من عرض الفرص الاستثمارية العامة إلى تطوير مبادرات محددة تستند إلى احتياجات الأسواق والقدرات الإنتاجية الفعلية.
ويشمل ذلك تحديد القطاعات ذات الأولوية، وتنسيق الاستراتيجيات الصناعية، وتطوير آليات لتمويل المشروعات المشتركة، وتعزيز الربط اللوجستي والرقمي، إلى جانب توسيع اتفاقيات التجارة التي تساعد المنتجات الخليجية على الوصول إلى أسواق أكبر.
كما يتطلب تحقيق هذه الأهداف تعاونًا مستمرًا بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمؤسسات الإقليمية والدولية، مع وضع آليات واضحة للتنفيذ وقياس النتائج.
وتعكس المقترحات المطروحة خلال المنتدى توجهًا نحو تعميق التكامل الاقتصادي بين دول مجلس التعاون، وتنويع مصادر النمو، وتعزيز تنافسية الشركات الخليجية، وتوسيع دور المنطقة في الاستثمار والتجارة العالمية.






