تتجه البحرين نحو الحصول على دعم مالي خليجي لمواجهة الضغوط المتزايدة على اقتصادها، في ظل ارتفاع مستويات الدين العام وتراجع احتياطيات النقد الأجنبي، بالتزامن مع تداعيات الحرب مع إيران واضطرابات حركة التجارة والطاقة في المنطقة.
وبحسب خمسة مصادر مطلعة نقلت عنها «الشرق بلومبرغ»، تستعد دولة الإمارات العربية المتحدة للاضطلاع بدور رئيسي في تقديم الدعم المالي المرتقب إلى المنامة، فيما لم تتحدد بعد قيمة الحزمة المحتملة أو موعد تقديمها.
وأشارت المصادر، التي طلبت عدم الكشف عن هوياتها، إلى أن السعودية على علم بالتحرك الإماراتي، وتبدي انفتاحاً على استفادة البحرين من دعم خليجي إضافي لمساعدتها على تجاوز أزمتها المالية.
ويأتي هذا التوجه في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن قدرة المملكة على احتواء أعباء الدين وتمويل احتياجاتها المالية، خصوصاً مع تراجع الاحتياطيات الأجنبية وارتفاع تكاليف الاقتراض في الأسواق الدولية.
ديون البحرين تتجاوز 150% من الناتج المحلي الإجمالي
تواجه البحرين تحديات متزايدة في إدارة ماليتها العامة، إذ تشير أحدث تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن الدين الحكومي سيبلغ نحو 152.4% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2026، ما يضع المملكة ضمن الدول الأعلى مديونية مقارنة بحجم اقتصاداتها.
وتزداد حساسية الوضع المالي مع ارتفاع أسعار الفائدة الأميركية، التي تنعكس على تكلفة التمويل وإعادة إصدار الديون، بالتوازي مع تراجع الاحتياطيات الأجنبية وتضرر بعض الأنشطة الاقتصادية نتيجة اضطرابات المنطقة.
وكان صندوق النقد الدولي قد حذر في تقييم صدر في يناير من أن التأخر في ضبط أوضاع المالية العامة، أو عدم كفاية الإجراءات المتخذة لتحقيق ذلك، قد يؤدي إلى تفاقم المخاوف بشأن استدامة الدين العام وتحديات التمويل.
وتعكس هذه المؤشرات حجم التحدي الذي تواجهه المنامة في الموازنة بين تمويل الإنفاق الحكومي والوفاء بالتزاماتها المالية والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي.
احتياطيات النقد الأجنبي في البحرين تتراجع بأكثر من 50%
تُعد الضغوط على احتياطيات النقد الأجنبي من أبرز المؤشرات على تفاقم الأزمة المالية في البحرين. فقد انخفضت الاحتياطيات من نحو 5.17 مليار دولار في مارس إلى قرابة 1.58 مليار دولار في أغسطس، قبل أن ترتفع إلى نحو 2.36 مليار دولار في سبتمبر.
وبحسب بيانات مصرف البحرين المركزي، بلغت الموجودات من النقد الأجنبي، باستثناء الذهب، 886.6 مليون دينار بحريني في سبتمبر، مقارنة بمستويات أقل في الشهر السابق، من دون توضيح الأسباب المباشرة وراء هذا التحسن.
ورغم الارتفاع المسجل في سبتمبر، لا تزال الاحتياطيات أقل بنحو 54% من مستواها في مارس، ما يشير إلى استمرار الضغوط على السيولة الخارجية للمملكة.
وفي أبريل، وقعت البحرين اتفاقية لمبادلة العملات مع مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي بقيمة اسمية تقارب 5.4 مليارات دولار، في خطوة توفر إطاراً للتعاون المالي بين البلدين.
ويأتي ذلك بالتزامن مع ترقب الأسواق لأي إجراءات خليجية إضافية قد تساعد البحرين على تعزيز احتياطياتها وتخفيف الضغوط التمويلية.
حرب إيران تزيد مخاطر الانكماش الاقتصادي
لا تقتصر تداعيات الأزمة على الدين العام والاحتياطيات الأجنبية، بل تمتد إلى النشاط الاقتصادي، في ظل تأثر قطاعات رئيسية باضطرابات النقل والتجارة المرتبطة بالحرب.
وتشمل القطاعات المتأثرة التكرير والتصنيع والخدمات اللوجستية والسياحة، وهي أنشطة تعتمد بدرجات متفاوتة على استقرار سلاسل الإمداد وحركة التجارة الإقليمية والدولية.
ويتوقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد البحريني بنسبة 11.3% خلال عام 2026، وفق تقديراته الصادرة خلال الشهر الجاري، في ظل استمرار اضطرابات إنتاج الطاقة وحركة التجارة عبر مضيق هرمز.
ومن شأن استمرار هذه الظروف أن يزيد الضغوط على الإيرادات والنشاط الاقتصادي، ويعقّد جهود الحكومة الرامية إلى احتواء الدين العام وتحسين الأوضاع المالية.
الأسواق تترقب تدخلاً خليجياً لدعم البحرين
يرى زياد داوود، كبير اقتصاديي الأسواق الناشئة لدى «بلومبرغ إيكونوميكس»، أن حصول البحرين على حزمة إنقاذ خليجية بات مسألة تتعلق بتوقيت تقديم الدعم وآلياته أكثر من ارتباطها باحتمال حدوثه.
وأوضح داوود، في منشور على منصة «لينكدإن»، أن الأسواق كانت تتوقع تدخلاً من الدول المجاورة حتى قبل اندلاع الحرب، التي زادت الحاجة إلى الدعم المالي إلحاحاً.
وتعرضت السندات الدولية البحرينية لموجة بيع في وقت سابق من أكتوبر، ما أعاد إلى الأذهان أزمة عام 2018، عندما حصلت المملكة على حزمة دعم بنحو 10 مليارات دولار من السعودية والإمارات والكويت، وفق بيانات جمعتها «بلومبرغ».
لكن أداء السندات سجل تعافياً خلال الأسبوع الأخير، في إشارة إلى تحسن نسبي في تعاملات السوق، من دون أن يعني ذلك بالضرورة انتهاء المخاطر المالية التي تواجهها المملكة.
وتظل مستويات الدين المرتفعة وتراجع الاحتياطيات وتداعيات الحرب عوامل رئيسية في تقييم المستثمرين للمخاطر المرتبطة بالديون البحرينية.
إصدار سندات بمليار دولار يعكس تكلفة الاقتراض
كانت البحرين قد جمعت مليار دولار من خلال إصدار سندات دولارية لأجل عشر سنوات في يونيو، بعائد بلغ 7.125%، بعدما تجاوزت طلبات المستثمرين 3.2 مليار دولار.
ومثّل الإصدار أول طرح عام لسندات سيادية خليجية في الأسواق الدولية منذ اندلاع الحرب، فيما ساهم الإقبال القوي من المستثمرين في خفض العائد من مستوى استرشادي أولي بلغ 7.5%.
ورغم نجاح المملكة في استقطاب الطلب على الإصدار، فإن العائد المرتفع يعكس تكلفة التمويل التي تواجهها في الأسواق الدولية، في وقت تتزايد فيه احتياجاتها المالية وتتعقد فيه ظروف الاقتراض.
هل يخفف الدعم الخليجي أزمة الديون البحرينية؟
قد يمنح الدعم المالي الخليجي البحرين مساحة إضافية لإدارة احتياجاتها التمويلية وتعزيز احتياطياتها من العملات الأجنبية، كما قد يساعد على تهدئة مخاوف المستثمرين بشأن قدرتها على الوفاء بالتزاماتها.
غير أن الأثر الفعلي لأي حزمة دعم سيعتمد على حجمها وشروطها وتوقيت تقديمها، إلى جانب طبيعة الأدوات المستخدمة، سواء كانت تمويلاً مباشراً أو تسهيلات مالية أو ترتيبات أخرى بين المصارف المركزية.
وفي المقابل، ستظل معالجة جذور الأزمة مرتبطة بقدرة الحكومة على احتواء نمو الدين العام، وتحسين وضع المالية العامة، وتعزيز الإيرادات، وتقليل تعرض الاقتصاد للصدمات الخارجية.
وتواجه البحرين بذلك تحدياً مزدوجاً يتمثل في التعامل مع الضغوط التمويلية العاجلة، بالتوازي مع اتخاذ إجراءات تضمن استدامة الدين على المدى المتوسط والطويل.
وفي ظل عدم الإعلان عن قيمة الدعم الخليجي المرتقب أو موعد تقديمه، تبقى الأسواق في انتظار تفاصيل أوضح بشأن الدور الإماراتي المحتمل وموقف بقية دول الخليج، ومدى قدرة أي تدخل مالي على الحد من تداعيات الحرب على الاقتصاد البحريني.






