أعادت عملية ضبط 700 ألف قرص من الكبتاغون في الكويت تسليط الضوء على الجهود التي تبذلها الدولة ودول مجلس التعاون الخليجي لمواجهة تهريب المخدرات والمؤثرات العقلية، في ظل اعتماد شبكات الاتجار غير المشروع على مسارات عابرة للحدود تستدعي تنسيقًا أمنيًا وتبادلًا مستمرًا للمعلومات بين دول المنطقة.
وجاءت العملية التي نفذتها الإدارة العامة لمكافحة المخدرات في الكويت بالتعاون والتنسيق الأمني مع جمهورية العراق، وأسفرت عن ضبط متهمين والعثور بحوزتهما على الكمية المضبوطة في جواخير منطقة كبد، قبل إحالتهما إلى جهة الاختصاص لاتخاذ الإجراءات القانونية.
ولا تقتصر مواجهة المخدرات في دول الخليج على عمليات الضبط والملاحقة الأمنية، بل تمتد إلى التشريعات والوقاية والتوعية والعلاج والتعاون الإقليمي، ضمن استراتيجية خليجية موحدة لمواجهة مخاطر المخدرات والمؤثرات العقلية.
استراتيجية خليجية لمكافحة المخدرات
أقر المجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية الاستراتيجية الخليجية لمكافحة المخدرات 2025-2028، مع تشكيل لجنة مشتركة مع الجهات المختصة لمتابعة تنفيذها. وتشمل الاستراتيجية عددًا من المحاور، من بينها خفض العرض والطلب على المخدرات، وتجفيف منابعها، وتطوير التشريعات الخليجية، ومكافحة غسل الأموال الناتجة عن تجارة المخدرات، وتعزيز الرصد والتدريب وبناء القدرات.
وتعكس هذه الاستراتيجية توجه دول المجلس نحو التعامل مع المخدرات باعتبارها قضية أمنية وصحية واجتماعية واقتصادية في الوقت نفسه، بحيث لا تقتصر المواجهة على ضبط الشحنات، وإنما تشمل أيضًا الوقاية من التعاطي، وتعزيز قدرات الأجهزة المختصة، وتطوير التعاون بين الجهات الوطنية.
مركز خليجي لتبادل المعلومات
ويؤدي مركز المعلومات الجنائية لمكافحة المخدرات لمجلس التعاون دورًا في دعم التنسيق بين الدول الأعضاء ومواجهة الاتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية، من خلال تعزيز التعاون وتبادل المعلومات والاستفادة من التقارير المتخصصة في بناء الاستراتيجيات. كما تعمل دول المجلس على تعزيز التعاون مع الجهات الدولية المتخصصة في مكافحة المخدرات والجريمة.
وتبرز أهمية هذا التعاون مع الطبيعة العابرة للحدود لعمليات تهريب المخدرات، إذ يمكن أن تمر الشحنات عبر أكثر من دولة قبل وصولها إلى الأسواق المستهدفة، ما يجعل تبادل المعلومات والتحرك المشترك عاملين أساسيين في إحباط عمليات التهريب.
الكويت.. تشريعات أكثر صرامة
على المستوى المحلي، شهد الإطار التشريعي الكويتي تطورًا لافتًا في مواجهة جرائم المخدرات والمؤثرات العقلية. وأصدرت الكويت في عام 2025 المرسوم بقانون رقم 159 لسنة 2025 بشأن مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية، الذي قدم إطارًا تشريعيًا موحدًا وشدد العقوبات على جرائم الحيازة والاتجار والترويج والتهريب وغيرها من الجرائم المرتبطة بالمخدرات.
ووفق وزارة الداخلية الكويتية، تصل العقوبات في بعض جرائم الجلب والتهريب والتصنيع والزراعة إلى الإعدام أو الحبس المؤبد، إلى جانب غرامات تصل إلى مليوني دينار كويتي في الحالات التي حددها القانون.
كما شدد التشريع العقوبات في حالات معينة، من بينها استغلال القُصّر في جرائم المخدرات، وارتكاب الجرائم في المؤسسات التعليمية والعلاجية والتأهيلية والرياضية والسجون، وإجبار الغير على التعاطي، وإنشاء أو إدارة عصابات أو تنظيمات إجرامية لهذا الغرض، فضلًا عن استغلال الوظيفة العامة أو النفوذ في ارتكاب الجريمة.
من التهريب والاتجار إلى التعاطي والترويج
ولا تقتصر المنظومة القانونية الكويتية على جرائم الاتجار والتهريب، وإنما تشمل أيضًا التعاطي والحيازة والترويج والتعامل غير المشروع مع المواد والمؤثرات العقلية.
وكانت الكويت قد نظمت مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية من خلال تشريعات سابقة، من أبرزها القانون رقم 74 لسنة 1983 بشأن مكافحة المخدرات وتنظيم استعمالها والاتجار فيها، والقانون رقم 48 لسنة 1987 بشأن مكافحة المؤثرات العقلية وتنظيم استعمالها والاتجار فيها، قبل الانتقال إلى الإطار التشريعي الأحدث في 2025.
كما تتيح المنظومة القانونية مسارات للعلاج في حالات محددة، في إطار التعامل مع الإدمان ليس باعتباره قضية أمنية فقط، وإنما باعتباره كذلك قضية صحية واجتماعية تحتاج إلى العلاج والتأهيل.
التوعية والوقاية جزء من المواجهة
وتولي الجهات المختصة في الكويت ودول الخليج جانب الوقاية والتوعية أهمية متزايدة، خصوصًا مع استهداف فئات الشباب وظهور أساليب جديدة في ترويج المواد المخدرة والمؤثرات العقلية.
وفي الكويت، أعلنت وزارة الداخلية عن حملات توعوية للتعريف بأحكام التشريع الجديد والعقوبات والفرص القانونية للعلاج، بالتوازي مع استمرار عمل الأجهزة الأمنية في ضبط المواد المخدرة وملاحقة المتورطين.
كما تؤكد الاستراتيجية الخليجية 2025-2028 أهمية خفض الطلب على المخدرات، إلى جانب خفض العرض، بما يعكس توجهًا نحو معالجة أسباب المشكلة وليس الاكتفاء بملاحقة عمليات التهريب بعد وقوعها.
تعاون خليجي يتجاوز الحدود
وتشير التحركات الخليجية الأخيرة إلى أن التعاون الأمني بين دول المجلس أصبح عنصرًا أساسيًا في مواجهة شبكات تهريب المخدرات.
ففي أبريل 2026، أشادت الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتنسيق الأمني بين الإمارات والبحرين، والذي أسفر عن إحباط نشاط عصابة متورطة في تهريب وترويج المخدرات، مؤكدة استمرار دول المجلس في تعزيز التعاون لمواجهة هذه الجرائم.
كما تواصل اللجان الخليجية المتخصصة العمل على تنفيذ الاستراتيجية المشتركة وتطوير آليات التعاون والتدريب والرصد، بما يعزز قدرة الأجهزة المعنية في الدول الأعضاء على التعامل مع شبكات الاتجار التي تتجاوز حدود دولة واحدة.
700 ألف قرص.. عملية أمنية في سياق أوسع
وتأتي عملية ضبط 700 ألف قرص كبتاغون في الكويت بالتالي ضمن سياق أوسع من الجهود الأمنية والتشريعية الخليجية لمواجهة المخدرات، إذ تجمع المنظومة بين تشديد العقوبات، وتعزيز قدرات أجهزة المكافحة، وتبادل المعلومات، والتعاون مع الدول المجاورة، إلى جانب الوقاية والتوعية والعلاج.
ويعكس التعاون الكويتي العراقي في العملية الأخيرة أهمية الشراكات الأمنية الإقليمية في مواجهة عمليات التهريب، فيما تمثل الاستراتيجية الخليجية الموحدة إطارًا لتنسيق الجهود بين دول مجلس التعاون في الحد من انتشار المخدرات والمؤثرات العقلية وحماية المجتمعات من آثارها.






